الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      والفصل الخامس [ ص: 263 ] في جاري العامل على عمله ، ولا يخلو فيه من ثلاثة أحوال : أحدها أن يسمي معلوما .

                                      والثاني : أن يسمي مجهولا .

                                      والثالث : أن لا يسمي بمجهول ولا بمعلوم ، فإن سمى معلوما استحق المسمى إذا وفى العمالة حقها ، فإن قصر فيها روعي تقصيره ، فإن كان لترك بعض العمل لم يستحق جاري ما قابله ، وإن كان لخيانة منه مع استيفاء العمل استكمل جاريه وارتجع ما خان فيه ، وإن زاد في العمل روعيت الزيادة ، فإن لم تدخل في حكم عمله كان نظره فيها مردودا لا ينفذ ، وإن كانت داخله في حكم نظره لم يخل من أحد أمرين : إما أن يكون قد أخذها بحق أو ظلم ، فإن كان أخذها بحق كان متبرعا بها لا يستحق لها زيادة على المسمى في جاريه ، وإن كان ظلما وجب ردها على من ظلم بها ، وكان عدوانا من العامل يؤخذ بجريرته ، وأما إن سمى جاريه مجهولا استحق جاري مثله فيما عمل ، فإن كان جاري العمل مقدرا في الديوان وعمل به جماعة من العمال صار ذلك القدر هو جاري المثل ، وإن لم يعمل به إلا واحد لم يصر ذلك مألوفا في جاري المثل .

                                      وأما إن لم يسم جاريه بمعلوم ، ولا بمجهول فقد اختلف الفقهاء في استحقاقه لجاري مثله على عمله على أربعة مذاهب قالها الشافعي وأصحابه ، فمذهب الشافعي فيها أنه لا جاري له على عمله ، ويكون متطوعا به حتى يسمي جاريا معلوما أو مجهولا لخلو عمله من عوض .

                                      وقال المزني : له جاري مثله وإن لم يسمه لاستيفاء عمله عن إذنه .

                                      وقال أبو العباس بن سريج إن كان مشهورا بأخذ الجاري على عمله فله جاري مثله ، وإن لم يشهر بأخذ الجاري عليه فلا جاري له .

                                      وقال أبو إسحاق المروزي من أصحاب الشافعي : إن دعي إلى العمل في الابتداء أو أمر به فله جاري مثله ، فإن ابتدأ بالطلب فأذن له في العمل فلا جاري له ، وإذا كان في عمله مال يجتنى فجاريه مستحق فيه ، وإن لم يكن فيه مال فجاريه في بيت المال مستحق من سهم المصالح .

                                      التالي السابق


                                      الخدمات العلمية