الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        - المحور الأول: الإعلام والتوعية:

        يراهن كثير من المهتمين بقضايا الإعاقة وذوي الاحتياجات الخاصة على دور التوعية، سواء فيما يتعلق بالحد من الإعاقة، أو توعية المجتمع تجاه ذوي الاحتياجات الخاصة.

        أ - فبالنسبة للتوعية للحد من الإعاقة، فإن المعول الأول على الإعلام الصحي [1] ، باعتبار أن أكثر أسباب الإعاقة ذات صلة وثيقة بهذا المجال، ولذا فإن حملات التوعية المستمرة الموجهة لعموم المجتمع، بصدد مسائل محددة، من شأنها أن تعدل بعض السلوكيات الضارة، التي يمكن أن تؤدي إلى إعاقات، على سبيل المثال القيادة السريعة التي تسبب حوادث السير؛ والتوعية الصحية؛ والتوعية عن كيفية تلافي الحوادث المنـزلية بالنسبة للأطفال؛ تلافي الأمراض أو الوقاية من خلال الفحص الطبي قبل الزواج...الخ. وبالتالي فإن التوعية لا يكون لها أثر عام وبعيد المدى وحسب، بل يمكن أن يكون لها أثر ملموس في مسألة محددة وفي مدى زمني متوسط (أو قصير) أيضا [2] . [ ص: 72 ]

        وتعد الكثير من البرامج الحوارية والحصص الصحية والتفاعلية والتواصلية مع الجمهور، مما تحرص القنوات التلفزيونية العمومية والخاصة والمتخصصـة على إدراجه ضمـن شبكتها البرمجية، إعلاما صحيا لحمل قضية التوعية بالأسباب المؤدية للإعاقة، مع مناسبة ربطها بشكل مباشر وواضح بها.

        كما تؤدي القنوات التعليمية وقنوات الأطفال أيضا دورا مهما في الموضوع، مع ضرورة التكييف والربط مع موضوع الإعاقة وأسبابها.

        ويمكن أيضا استثمار الإعلان بمختـلف أنواعه وصور حضوره على القنوات التلفزية خصوصا في التوعية الصحية بأسباب الإعاقة؛ فمثلا الإعلانات المتعلقة باحـترام والانضبـاط بقوانين السـير والمرور في بلادنا أو التعامل غير الصحي مع بعض المنتجات الغذائية والاستهلاكية من المهم جدا ربطها بصورة واضحة بما ينجم عنها من إعاقات مختلفة. وتجـدر الإشـارة إلى أهمية الجمع بين منهج الحملات الإعلامية والإعلانية، خصوصا في مناسبات وأيام عربية أو قطرية محددة، وأسـلوب ومنهج حملات التوعية المستمرة.

        ومن الأدوار المهمة التي تقوم بها أجهزة العلاقات العامة في وسائل الإعلام، خاصة التلفزيون، إقناع المنتجين والجهات المعلنة عن منتجاتها وسلعها وأعمالها بالانخراط في تمويل حملات إعلانية في هذا الصدد تحديدا مع بيان العوائد والفوائد التي يجنونها من انتشار سلوكيات صحية تقي المجتمع [ ص: 73 ] من الإعـاقات، فضلا عما في ذلك من ثواب وأجر عند الله تعالى متى اتجهت النية إلى الخير، ودفع الأذى عن الخلق، مما يؤول -معه- العمل الإعلاني إلى خدمة من خدمات الخير التي تبذل في مجال الإعاقة وذوي الاحتياجات الخاصة.

        ب- وتركز التوعية المجتمعية على:

        - زيادة وعي المجتمع وأفراده بوجود ذوي الاحتياجات الخاصة، واحتياجاتهم وإمكاناتهم .

        - التعريف بالإعاقة والاحتياجات الخاصة وأنواعها وأسبابها، وكيفية اكتشافها والوقاية منها.

        - تعزيز مكان ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع والتعريف بحقوقهم واحتياجاتهم، وقدراتهم، وإسهاماتهم والخدمات المتاحة لهم.

        - إزالة التفرقة والتحيز الاجتماعي ضد ذوي الاحتياجات الخاصة بالعمل على تغيير مواقف الناس إزاء الإعاقة، وهي مواقف يرجع غالبها إلى الجهل وسوء الفهم [3] . [ ص: 74 ]

        تحدثت المادة الثامنة من الاتفاقية الدولية حول حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة

















        [4] عن "إذكاء الوعي في المجتمع بأسره بشأن الأشخاص ذوي الإعاقة، بما في ذلك على مستوى الأسرة، وتعزيز احترام حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وكرامتهم". وفي تحليله لهذه المادة من الاتفاقية يقول أديب نعمه، مستشار سياسات الحد من الفقر، "وحدة الدعم الفني للدول العربية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي": وهي في هذا السياق أشارت تحديدا إلى [ ص: 75 ] "مكافحة القوالب النمطية.. "، وإلى تنظيم حملات التوعية وتعزيز تقبل الأشخاص ذوي الإعاقات، وتشجيع الاعتراف بمهاراتهم وكفاءاتهم، مع التركيز على دور وسائل الإعلام الأساسي في ذلك.

        وعندما نتحـدث عن التوعيـة، يتبادر فورا إلى الذهن شكل واحد هو الحملات الإعلامية. وهذه الأخيرة مهمة جدا، ولكننا بحاجة إلى ما هو أكثر من الحملة التي تبدأ في تاريخ محدد وتنتهي في تاريخ محدد أيضا. ما نحن بحاجة إليه هـو توفر اقتناع عميق لدى القيمين على وسـائل الإعلام ولدى الإعلاميين بقضايا حقوق ذوي الاحتياجات الخاصـة، وتوفر المعارف الموضوعية عن الموضوع، واحترام هذه الحقوق بشكل مستمر في وسائل الإعلام.

        يجب التوقف عند الوسائل المناسبة والكيفية التي يتطور فيها الوعي. ويشكل تعامل وسائل الإعلام مثالا توضيحيا جيدا لهذا الأمر. على سبيل المثال، إذا كان الاختيار بين أن نعـد برنامجا خـاصا لأصحاب الإعاقات، أو أن ندمج مسائل حقوق الإعاقة بشكل طبيعي وذكي في مجمل الإنتاج الإعلامي، وفي الأداء اليومي العادي لوسائل الإعلام، فإن الخيار الثاني هو الخيار الأنسب. وقد شرعت بعض وسائل الإعلام في القيام ببعض الخطوات في هذا الاتجاه، من قبيل استخدام لغة الإشارة أثناء بعض البرامج التلفزيونية (والمشاهد يعتاد بعد فترة هذه الترجمة تماما كما اعتاد قراءة ترجمة البرامج الأجنبية إلى العربية كتابة في أسفل الشاشة). [ ص: 76 ]

        من ناحية أخرى، فإذا كانت الفكرة هي اعتياد الناس على رؤية الإعاقة بصفتها جزءا من التنوع البشري، فإن البرامج المتخصصة لا تحقق ذلك، بل يتحقق ذلك عندما تعكس البرامج هذه الحياة المتنوعة (بإمكان شخص من ذوي الاحتياجات الخاصة أن يكون صحافيا ومقدم برامج على سبيل المثال)؛ وعندما تجري كتابة وإخراج البرامج الدرامية أو الحوارية، فإنه من الطبيعي أن يكون بين شخصيات المسلسل أشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة، وكذلك بين المتحاورين. كل ذلك يساعد على رؤية الحياة الواقعية وشخصياتـها كما هي، وهكذا نتفـاعل مع الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة لا بوصفهم ذوي إعاقات بل بصفتهم أشخاصا لديهم مسؤوليات وأفكار وحياة ومواقف تشـكل جوهر وجودهم كبشر، ولا يتحددون بإعاقتهم.

        إن التوعية الذكية والهادفة، التي تحترم منظور الحقوق، هي من الشروط الضرورية من أجل كفالة إعمال الحقوق، نظرا لأن الإعاقة تنشأ عن تفاعل النقص في القدرات الجسدية أو الحسية مع مواقف وحواجز موجودة في المجتمع نفسه وفي الناس الأفراد. وبالتالي فإن إعمال حقوق المعوقين يتطلب تغييرا في المجتمع وفي الأفراد، وهو أمر يمكن للتوعية أن تلعب دورا أساسيا في بلوغه نظرا لتعلقه بالثقافة السائدة وبالسلوكيات [5] . [ ص: 77 ]

        التالي السابق


        الخدمات العلمية