الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : اعْلَمْ أَنَّهُ لَا شَكَّ فِي أَنَّ آيَةَ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ هَذِهِ الَّتِي هِيَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [ 23 \ 7 ] تَدُلُّ بِعُمُومِهَا عَلَى مَنْعِ الِاسْتِمْنَاءِ بِالْيَدِ الْمَعْرُوفِ ، بِجَلْدِ عَمِيرَةَ ، وَيُقَالُ لَهُ الْخَضْخَضَةُ ; لِأَنَّ مَنْ تَلَذَّذَ بِيَدِهِ حَتَّى أَنْزَلَ مَنِيَّهُ بِذَلِكَ ، قَدِ ابْتَغَى وَرَاءَ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ ، فَهُوَ مِنَ الْعَادِينَ بِنَصِّ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا ، وَفِي سُورَةِ سَأَلَ سَائِلٌ [ 70 \ 1 ] وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ : أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَمَنْ تَبِعَهُ اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الْآيَةِ ، عَلَى مَنْعِ الِاسْتِمْنَاءِ بِالْيَدِ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ : سَمِعْتُ حَرْمَلَةَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، قَالَ : سَأَلْتُ مَالِكًا عَنِ الرَّجُلِ يَجْلِدُ عَمِيرَةَ فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَى قَوْلِهِ الْعَادُونَ [ 23 \ 5 - 7 ] . قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ - : الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ اسْتِدْلَالَ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ، عَلَى مَنْعِ جَلْدِ عَمِيرَةَ الَّذِي هُوَ الِاسْتِمْنَاءُ بِالْيَدِ اسْتِدْلَالٌ صَحِيحٌ بِكِتَابِ اللَّهِ ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ ، وَلَمْ يَرِدْ شَيْءٌ يُعَارِضُهُ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ ، وَمَا رُوِيَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مَعَ عِلْمِهِ ، وَجَلَالَتِهِ وَوَرَعِهِ مِنْ إِبَاحَةِ جَلْدِ عَمِيرَةَ مُسْتَدِلًّا عَلَى ذَلِكَ بِالْقِيَاسِ قَائِلًا : هُوَ إِخْرَاجُ فَضْلَةٍ مِنَ الْبَدَنِ تَدْعُو الضَّرُورَةُ إِلَى إِخْرَاجِهَا فَجَازَ ، قِيَاسًا عَلَى الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ ، كَمَا قَالَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ : إِذَا حَلَلْتَ بِوَادٍ لَا أَنِيسَ بِهِ فَاجْلِدْ عَمِيرَةَ لَا عَارٌ وَلَا حَرَجُ فَهُوَ خِلَافُ الصَّوَابِ ، وَإِنْ كَانَ قَائِلُهُ فِي الْمَنْزِلَةِ الْمَعْرُوفَةِ الَّتِي هُوَ بِهَا ; لِأَنَّهُ قِيَاسٌ يُخَالِفُ ظَاهِرَ عُمُومِ الْقُرْآنِ ، وَالْقِيَاسُ إِنْ كَانَ كَذَلِكَ رُدَّ بِالْقَادِحِ الْمُسَمَّى فَسَادَ الِاعْتِبَارِ ، كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ مِرَارًا وَذَكَرْنَا فِيهِ قَوْلَ صَاحِبِ مَرَاقِي السُّعُودِ : وَالْخُلْفُ لِلنَّصِّ أَوْ إِجْمَاعٌ دَعَا فَسَادَ الِاعْتِبَارِ كُلُّ مَنْ وَعَى فَاللَّهُ - جَلَّ وَعَلَا - قَالَ : وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْ ذَلِكَ الْبَتَّةَ إِلَّا النَّوْعَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ وَصَرَّحَ بِرَفْعِ الْمَلَامَةِ فِي عَدَمِ حِفْظِ الْفَرْجِ ، عَنِ الزَّوْجَةِ ، وَالْمَمْلُوكَةِ فَقَطْ ثُمَّ جَاءَ بِصِيغَةٍ عَامَّةٍ شَامِلَةٍ لِغَيْرِ النَّوْعَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ ، دَالَّةٍ عَلَى الْمَنْعِ هِيَ قَوْلُهُ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [ 23 \ 7 ] وَهَذَا الْعُمُومُ لَا شَكَّ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ بِظَاهِرِهِ ، نَاكِحَ يَدِهِ ، وَظَاهِرُ عُمُومِ الْقُرْآنِ ، لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ ، إِلَّا لِدَلِيلٍ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ ، يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ ، أَمَّا الْقِيَاسُ الْمُخَالِفُ لَهُ فَهُوَ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ ، كَمَا أَوْضَحْنَا ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى . وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ ، بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ بَعْضَ مَنْ حَرَّمَ جَلْدَ عَمِيرَةَ ، وَاسْتِدْلَالَهُمْ بِالْآيَةِ مَا نَصُّهُ : وَقَدِ اسْتَأْنَسُوا بِحَدِيثٍ رَوَاهُ الْإِمَامُ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ فِي جُزْئِهِ الْمَشْهُورِ ، حَيْثُ قَالَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ الْجَزَرِيُّ ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ " سَبْعَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَا يَجْمَعُهُمْ مَعَ الْعَامِلِينَ وَيُدْخِلُهُمُ النَّارَ أَوَّلَ الدَّاخِلِينَ إِلَّا أَنْ يَتُوبُوا وَمَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ : النَّاكِحُ يَدَهُ ، وَالْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ ، وَمُدْمِنُ الْخَمْرِ ، وَالضَّارِبُ وَالِدَيْهِ ، حَتَّى يَسْتَغِيثَا ، وَالْمُؤْذِي جِيرَانَهُ حَتَّى يَلْعَنُوهُ ، وَالنَّاكِحُ حَلِيلَةَ جَارِهِ " اهـ . ثُمَّ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ : هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَإِسْنَادُهُ فِيهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ لِجَهَالَتِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، انْتَهَى مِنْهُ . وَلَكِنَّهُ عَلَى ضَعْفِهِ يَشْهَدُ لَهُ فِي نِكَاحِ الْيَدِ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ فِي الْجُمْلَةِ ; لِدَلَالَتِهِ عَلَى مَنْعِ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا قِيلَ لِلِاسْتِمْنَاءِ بِالْيَدِ : جَلَدَ عَمِيرَةَ ; لِأَنَّهُمْ يُكَنُّونَ بِعَمِيرَةَ عَنِ الذَّكَرِ . لَطِيفَةٌ : قَدْ ذُكِرَ فِي نَوَادِرِ الْمُغَفَّلِينَ ، أَنَّ مُغَفَّلًا كَانَتْ أُمُّهُ تَمْلِكُ جَارِيَةً تُسَمَّى عَمِيرَةَ فَضَرَبَتْهَا مَرَّةً ، فَصَاحَتِ الْجَارِيَةُ ، فَسَمِعَ قَوْمٌ صِيَاحَهَا ، فَجَاءُوا وَقَالُوا : مَا هَذَا الصِّيَاحُ ؟ فَقَالَ لَهُمْ ذَلِكَ الْمُغَفَّلُ : لَا بَأْسَ تِلْكَ أُمِّي كَانَتْ تَجْلِدُ عَمِيرَةَ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية