الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                        صحيح البخاري 4115 حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَدِمَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ يَقُولُ إِنْ جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ تَبِعْتُهُ وَقَدِمَهَا فِي بَشَرٍ كَثِيرٍ مِنْ قَوْمِهِ فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ وَفِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِطْعَةُ جَرِيدٍ حَتَّى وَقَفَ عَلَى مُسَيْلِمَةَ فِي أَصْحَابِهِ فَقَالَ لَوْ سَأَلْتَنِي هَذِهِ الْقِطْعَةَ مَا أَعْطَيْتُكَهَا وَلَنْ تَعْدُوَ أَمْرَ اللَّهِ فِيكَ وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ وَإِنِّي لَأَرَاكَ الَّذِي أُرِيتُ فِيهِ مَا رَأَيْتُ وَهَذَا ثَابِتٌ يُجِيبُكَ عَنِّي ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُ عَنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّكَ أُرَى الَّذِي أُرِيتُ فِيهِ مَا أَرَيْتُ فَأَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ فَأَهَمَّنِي شَأْنُهُمَا فَأُوحِيَ إِلَيَّ فِي الْمَنَامِ أَنْ انْفُخْهُمَا فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ بَعْدِي أَحَدُهُمَا الْعَنْسِيُّ وَالْآخَرُ مُسَيْلِمَةُ فتح الباري لابن حجر قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنِ بْنِ الْحَارِثِ النَّوْفَلِيُّ ، تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ مَشْهُورٌ نُسِبَ هُنَا لِجَدِّهِ . قَوْلُهُ : ( قَدِمَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أَيِ الْمَدِينَةَ ، وَمُسَيْلِمَةُ مُصَغَّرٌ بِكَسْرِ اللَّامِ ابْنُ ثُمَامَةَ بْنِ كَبِيرٍ بِمُوَحَّدَةٍ ابْنِ حَبِيبِ بْنِ الْحَارِثِ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : ادَّعَى النُّبُوَّةَ سَنَةَ عَشْرٍ ، وَزَعَمَ وَثِيمَةُ فِي " كِتَابِ الرِّدَّةِ " أَنَّ مُسَيْلِمَةَ لَقَبٌ وَاسْمُهُ ثُمَامَةُ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ كُنْيَتَهُ أَبُو ثُمَامَةَ ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَيَكُونُ مِمَّنْ تَوَافَقَتْ كُنْيَتُهُ وَاسْمُهُ ، وَسِيَاقُ هَذِهِ الْقِصَّةِ يُخَالِفُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ قَدِمَ مَعَ وَفْدِ قَوْمِهِ ، وَأَنَّهُمْ تَرَكُوهُ فِي رِحَالِهِمْ يَحْفَظُهَا لَهُمْ ، وَذَكَرُوهُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَأَخَذُوا مِنْهُ جَائِزَتَهُ ، وَأَنَّهُ قَالَ لَهُمْ إِنَّهُ لَيْسَ بِشَرِّكُمْ وَأَنَّ مُسَيْلِمَةَ لَمَّا ادَّعَى أَنَّهُ أُشْرِكَ فِي النُّبُوَّةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احْتَجَّ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ ، وَهَذَا مَعَ شُذُوذِهِ ضَعِيفُ السَّنَدِ لِانْقِطَاعِهِ . وَأَمْرُ مُسَيْلِمَةَ كَانَ عِنْدَ قَوْمِهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، فَقَدْ كَانَ يُقَالُ لَهُ : رَحْمَانُ الْيَمَامَةِ لِعِظَمِ قَدْرِهِ فِيهِمْ ، وَكَيْفَ يَلْتَئِمُ هَذَا الْخَبَرُ الضَّعِيفُ مَعَ قَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اجْتَمَعَ بِهِ وَخَاطَبَهُ وَصَرَّحَ لَهُ بِحَضْرَةِ قَوْمِهِ أَنْ لَوْ سَأَلَهُ الْقِطْعَةَ الْجَرِيدَةَ مَا أَعْطَاهُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُسَيْلِمَةُ قَدِمَ مَرَّتَيْنِ الْأُولَى كَانَ تَابِعًا وَكَانَ رَئِيسُ بَنِي حَنِيفَةَ غَيْرَهُ وَلِهَذَا أَقَامَ فِي حِفْظِ رِحَالِهِمْ ، وَمَرَّةً مَتْبُوعًا وَفِيهَا خَاطَبَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أَوِ الْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ وَكَانَتْ إِقَامَتُهُ فِي رِحَالِهِمْ بِاخْتِيَارِهِ أَنَفَةً مِنْهُ وَاسْتِكْبَارًا أَنْ يَحْضُرَ مَجْلِسَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَعَامَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُعَامَلَةَ الْكَرَمِ عَلَى عَادَتِهِ فِي الِاسْتِئْلَافِ ، فَقَالَ لِقَوْمِهِ : إِنَّهُ لَيْسَ بِشَرِّكُمْ أَيْ بِمَكَانٍ ، لِكَوْنِهِ كَانَ يَحْفَظُ رِحَالَهُمْ ، وَأَرَادَ اسْتِئْلَافَهُ بِالْإِحْسَانِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ ، فَلَمَّا لَمْ يَفِدْ مُسَيْلِمَةُ تَوَجَّهَ بِنَفْسِهِ إِلَيْهِمْ لِيُقِيمَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةَ وَيُعْذِرَ إِلَيْهِ بِالْإِنْذَارِ وَالْعِلْمِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى . وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ الْإِمَامَ يَأْتِي بِنَفْسِهِ إِلَى مَنْ قَدِمَ يُرِيدُ لِقَاءَهُ مِنَ الْكُفَّارِ إِذَا تَعَيَّنَ ذَلِكَ طَرِيقًا لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ . قَوْلُهُ : ( إِنْ جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ ) أَيِ الْخِلَافَةَ ; وَسَقَطَ لَفْظُ " الْأَمْرَ " هُنَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَهُوَ مُقَدَّرٌ ، وَقَدْ ثَبَتَتْ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ وَثَبَتَتْ أَيْضًا فِي الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ . قَوْلُهُ : ( وَقَدِمَهَا فِي بَشَرٍ كَثِيرٍ ) ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ عَدَدَ مَنْ كَانَ مَعَ مُسَيْلِمَةَ مِنْ قَوْمِهِ سَبْعَةَ عَشَرَ نَفْسًا ، فَيُحْتَمَلُ تَعَدُّدُ الْقُدُومِ كَمَا تَقَدَّمَ . قَوْلُهُ : ( وَلَنْ تَعْدُوَ أَمْرَ اللَّهِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِبَعْضِهِمْ لَنْ تَعْدُ بِالْجَزْمِ وَهُوَ لُغَةٌ ، أَيِ الْجَزْمِ بِلَنْ ، وَالْمُرَادُ بِأَمْرِ اللَّهِ حُكْمُهُ . وَقَوْلُهُ : " وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ " أَيْ خَالَفْتَ الْحَقَّ ، وَقَوْلُهُ : " لَيَعْقِرَنَّكَ " بِالْقَافِ أَيْ يُهْلِكُكَ . قَوْلُهُ : ( وَهَذَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ يُجِيبُكَ عَنِّي ) أَيْ لِأَنَّهُ كَانَ خَطِيبَ الْأَنْصَارِ ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أُعْطِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ فَاكْتَفَى بِمَا قَالَهُ لِمُسَيْلِمَةَ وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ يُرِيدُ الْإِسْهَابَ فِي الْخِطَابِ فَهَذَا الْخَطِيبُ يَقُومُ عَنِّي فِي ذَلِكَ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ اسْتِعَانَةُ الْإِمَامِ بِأَهْلِ الْبَلَاغَةِ فِي جَوَابِ أَهْلِ الْعِنَادِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( أُرِيتَ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الرَّاءِ مِنْ رُؤْيَا الْمَنَامِ ، وَقَدْ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ الْحَدِيثُ الثَّالِثُ ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( مِنْ ذَهَبٍ ) مِنْ لِبَيَانِ الْجِنْسِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَوَهَمَ مَنْ قَالَ : الْأَسَاوِرُ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنْ ذَهَبٍ فَإِنْ كَانَتْ مِنْ فِضَّةٍ فَهِيَ الْقَلْبُ . قَوْلُهُ : ( فَأَهَمَّنِي شَأْنُهُمَا ) فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ الَّتِي بَعْدَهَا " فَكَبُرَا عَلَيَّ " . قَوْلُهُ : ( أَحَدُهُمَا الْعَنْسِيُّ ) بِالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ نُونٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ سِينٍ مُهْمَلَةٍ وَهُوَ الْأَسْوَدُ ، وَهُوَ صَاحِبُ صَنْعَاءَ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ ، وَسَأَذْكُرُ شَأْنَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ مَنْقَبَةٌ لِلصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَلَّى نَفْخَ السِّوَارَيْنِ بِنَفْسِهِ حَتَّى طَارَا ، فَأَمَّا الْأَسْوَدُ فَقُتِلَ فِي زَمَنِهِ ، وَأَمَّا مُسَيْلِمَةُ فَكَانَ الْقَائِمَ عَلَيْهِ حَتَّى قَتَلَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَقَامَ مَقَامَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ السِّوَارَ وَسَائِرَ آلَاتِ أَنْوَاعِ الْحُلِيِّ اللَّائِقَةِ بِالنِّسَاءِ تَعْبِيرٌ لِلرِّجَالِ بِمَا يَسُوءُهُمْ وَلَا يَسُرُّهُمْ ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . الْحَدِيثُ الرَّابِعُ .

                                                                                                                                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية