الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                        صحيح البخاري 3972 حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا حَاتِمٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَخَلَّفَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَيْبَرَ وَكَانَ رَمِدًا فَقَالَ أَنَا أَتَخَلَّفُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَحِقَ بِهِ فَلَمَّا بِتْنَا اللَّيْلَةَ الَّتِي فُتِحَتْ قَالَ لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا أَوْ لَيَأْخُذَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلٌ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ يُفْتَحُ عَلَيْهِ فَنَحْنُ نَرْجُوهَا فَقِيلَ هَذَا عَلِيٌّ فَأَعْطَاهُ فَفُتِحَ عَلَيْهِ فتح الباري لابن حجر قَوْلُهُ : ( وَكَانَ رَمِدًا ) فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ " أَرْمَدُ " وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الصَّغِيرِ " أَرْمَدَ شَدِيدَ الرَّمَدِ " وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ " أَرْمَدَ لَا يُبْصِرُ " . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : أَنَا أَتَخَلَّفُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَلَحِقَ بِهِ ) وَكَأَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى نَفْسِهِ تَأَخُّرَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَقَالَ ذَلِكَ ، وَقَوْلُهُ : " فَلَحِقَ بِهِ " يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَحِقَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى خَيْبَرَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَحِقَ بِهِ بَعْدَ أَنْ وَصَلَ إِلَيْهَا . قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا بِتْنَا اللَّيْلَةَ الَّتِي فُتِحَتْ ) خَيْبَرُ فِي صَبِيحَتِهَا ( قَالَ : لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا ) وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ اخْتِصَارٌ ، وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ وَالْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ قَالَ : " لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أَخَذَ أَبُو بَكْرٍ اللِّوَاءَ فَرَجَعَ وَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَخَذَهُ عُمَرُ فَرَجَعَ وَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ ، وَقُتِلَ مَحْمُودُ بْنُ مَسْلَمَةَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَأَدْفَعَنَّ لِوَائِي غَدًا إِلَى رَجُلٍ " الْحَدِيثَ ، وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ نَحْوَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ سَرَدَهُمُ الْحَاكِمُ فِي " الْإِكْلِيلِ " وَأَبُو نُعَيْمٍ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " الدَّلَائِلِ " . قَوْلُهُ : ( لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا أَوْ لَيَأْخُذَنَّ الرَّايَةَ غَدًا ) هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، وَفِي حَدِيثِ سَهْلٍ الَّذِي بَعْدَهُ " لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا " بِغَيْرِ شَكٍّ ، وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ إِنِّي دَافِعٌ اللِّوَاءَ غَدًا إِلَى رَجُلٍ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالرَّايَةُ بِمَعْنَى اللِّوَاءِ وَهُوَ الْعَلَمُ الَّذِي فِي الْحَرْبِ يُعْرَفُ بِهِ مَوْضِعُ صَاحِبِ الْجَيْشِ ، وَقَدْ يَحْمِلُهُ أَمِيرُ الْجَيْشِ ، وَقَدْ يَدْفَعُهُ لِمُقَدَّمِ الْعَسْكَرِ ، وَقَدْ صَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ بِتَرَادُفِهِمَا ، لَكِنْ رَوَى أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ " كَانَتْ رَايَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَوْدَاءَ وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضَ " وَمِثْلُهُ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ بُرَيْدَةَ ، وَعِنْدَ ابْنِ عَدِيٍّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَادَ " مَكْتُوبًا فِيهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ " وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي التَّغَايُرِ ، فَلَعَلَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَهُمَا عُرْفِيَّةٌ ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَكَذَا أَبُو الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ أَوَّلَ مَا وُجِدَتِ الرَّايَاتُ يَوْمَ خَيْبَرَ ، وَمَا كَانُوا يَعْرِفُونَ قَبْلَ ذَلِكَ إِلَّا الْأَلْوِيَةَ " . قَوْلُهُ : ( يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) زَادَ فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ " وَيُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ " وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ " لَيْسَ بِفَرَّارٍ " وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ " لَا يَرْجِعُ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ لَهُ " . قَوْلُهُ : ( فَنَحْنُ نَرْجُوهَا ) فِي حَدِيثِ سَهْلٍ " فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا " وَقَوْلُهُ : " يَدُوكُونَ " بِمُهْمَلَةٍ مَضْمُومَةٍ أَيْ بَاتُوا فِي اخْتِلَاطٍ وَاخْتِلَافٍ ، وَالدَّوْكَةُ بِالْكَافِ الِاخْتِلَاطُ ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ " إِنَّ عُمَرَ قَالَ : مَا أَحْبَبْتُ الْإِمَارَةَ إِلَّا يَوْمَئِذٍ " وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ " فَمَا مِنَّا رَجُلٌ لَهُ مَنْزِلَةٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا وَهُوَ يَرْجُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرَّجُلَ ، حَتَّى تَطَاوَلْتُ أَنَا لَهَا ، فَدَعَا عَلِيًّا وَهُوَ يَشْتَكِي عَيْنَهُ فَمَسَحَهَا ، ثُمَّ دَفَعَ إِلَيْهِ اللِّوَاءَ " وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : " فَأَرْسَلَنِي إِلَى عَلِيٍّ قَالَ : فَجِئْتُ بِهِ أَقُودُهُ أَرْمَدُ فَبَزَقَ فِي عَيْنِهِ فَبَرِئَ " . قَوْلُهُ : ( فَقِيلَ : هَذَا عَلِيٌّ ) كَذَا وَقَعَ مُخْتَصَرًا ، وَبَيَانُهُ فِي رِوَايَةِ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَفِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الَّذِي بَعْدَهُ فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا ، فَقَالَ : أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ؟ قَالُوا : يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ ، قَالَ : فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ ، فَأْتُوا بِهِ وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَحْضَرَهُ ، وَلَعَلَّ عَلِيًّا حَضَرَ إِلَيْهِمْ بِخَيْبَرَ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى مُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ لِرَمَدِهِ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَضَرَ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ ، أَوْ بَعَثَ إِلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَصَادَفَ حُضُورَهُ . قَوْلُهُ : ( فَأَعْطَاهُ فَفَتَحَ عَلَيْهِ ) فِي حَدِيثِ سَهْلٍ " فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ " وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ " فَانْطَلَقَ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ خَيْبَرَ وَفَدَكَ وَجَاءَ بِعَجْوَتِهِمَا " وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي فَتْحِ خَيْبَرَ هَلْ كَانَ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ كَانَ عَنْوَةً وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَرَدَّ عَلَى مَنْ قَالَ فُتِحَتْ صُلْحًا قَالَ : وَإِنَّمَا دَخَلَتِ الشُّبْهَةُ عَلَى مَنْ قَالَ : فُتِحَتْ صُلْحًا بِالْحِصْنَيْنِ اللَّذَيْنِ أَسْلَمَهُمَا أَهْلُهُمَا لِحَقْنِ دِمَائِهِمْ ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الصُّلْحِ لَكِنْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ إِلَّا بِحِصَارٍ وَقِتَالٍ . انْتَهَى . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الشُّبْهَةَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ : " إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَاتَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ فَغَلَبَ عَلَى النَّخْلِ وَأَلْجَأَهُمْ إِلَى الْقَصْرِ فَصَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يَجْلُوا مِنْهَا وَلَهُ الصَّفْرَاءُ وَالْبَيْضَاءُ وَالْحَلْقَةُ وَلَهُمْ مَا حَمَلَتْ رِكَابُهُمْ عَلَى أَنْ لَا يَكْتُمُوا وَلَا يُغَيِّبُوا " الْحَدِيثَ وَفِي آخِرِهِ " فَسَبَى نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ ، وَقَسَمَ أَمْوَالَهُمْ لِلنَّكْثِ الَّذِي نَكَثُوا ، وَأَرَادَ أَنْ يُجْلِيَهُمْ فَقَالُوا : دَعْنَا فِي هَذِهِ الْأَرْضِ نُصْلِحُهَا " الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَبُو الْأَسْوَدِ فِي الْمَغَازِي عَنْ عُرْوَةَ ، فَعَلَى هَذَا كَانَ قَدْ وَقَعَ الصُّلْحُ ، ثُمَّ حَدَثَ النَّقْضُ مِنْهُمْ فَزَالَ أَثَرُ الصُّلْحِ ، ثُمَّ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ الْقَتْلَ وَإِبْقَائِهِمْ عُمَّالًا بِالْأَرْضِ لَيْسَ لَهُمْ فِيهَا مِلْكٌ ، وَلِذَلِكَ أَجَلَاهُمْ عُمَرُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُزَارَعَةِ ، فَلَوْ كَانُوا صُولِحُوا عَلَى أَرْضِهِمْ لَمْ يُجْلَوْا مِنْهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي فَرْضِ الْخُمُسِ احْتِجَاجُ الطَّحَاوِيِّ عَلَى أَنَّ بَعْضَهَا فُتِحَ صُلْحًا بِمَا أَخْرَجَهُ هُوَ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا قَسَمَ خَيْبَرَ عَزَلَ نِصْفَهَا لِنَوَائِبِهِ وَقَسَمَ نِصْفَهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ " وَهُوَ حَدِيثٌ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ بَعْضَهَا فُتِحَ صُلْحًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

                                                                                                                                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية