( المسألة السادسة ) قال أبو الوليد الطرطوشي : أما فإن كان في بلده يجد مدارسة المسائل والتفقه على طريق التقليد وحفظ نصوص العلماء فأراد أن يظعن إلى بلد آخر فيتفقه فيه على مثل طريقته لم يجز إلا بإذنهما لأن خروجه إذاية لهما بغير فائدة وإن أراد الخروج للتفقه في الكتاب والسنة ومعرفة الإجماع ومواضع الخلاف ومراتب القياس فإن وجد في بلده ذلك لم يخرج إلا بإذنهما وإلا خرج ولا طاعة لهما في منعه لأن مخالفتهما في طلب العلم قال تحصيل درجة المجتهدين فرض على الكفاية : من كان أهلا للإمامة وتقليد العلوم ففرض عليه أن يطلبها لقوله تعالى { سحنون ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } ومن لا [ ص: 146 ] يعرف المعروف كيف يأمر به أو لا يعرف المنكر كيف ينهى عنه قلت : قد تقدم أن مخالفتهما في الجهاد الذي هو فرض كفاية لا تجوز كما تقدم في الذي رده عليه السلام لأبويه عن الهجرة والجهاد معه لأن الحاضر يقوم مقامه وهذه الفتوى تقتضي أنه تجوز مخالفتهما في فروض الكفاية فبينهما تعارض والجواب عنه أن نقول : العلم وضبط الشريعة وإن كان فرض كفاية غير أنه يتعين له طائفة من الناس وهي من جاد حفظهم ورق فهمهم وحسنت سيرتهم وطابت سريرتهم فهؤلاء هم الذين يتعين عليهم الاشتغال بالعلم فإن عديم الحفظ أو قليله أو سيئ الفهم لا يصلح لضبط الشريعة المحمدية وكذلك من ساءت سيرته لا يحصل به الوثوق للعامة فلا تحصل به مصلحة التقليد فتضيع أحوال الناس وإذا كانت هذه الطائفة متعينة بهذه الصفات تعينت بصفاتها وصار طلب العلم عليها فرض عين فلعل هذا هو معنى كلام سحنون وأبي الوليد والجهاد يصلح له عموم الناس فأمره سهل وليس الرمي بالحجر والضرب بالسيف كضبط العلوم فكل بليد أو ذكي يصلح للأول ولا يصلح للثاني إلا من تقدم ذكره فافهم ذلك .