الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مسند أحمد 6527 3000 - (6563) - (2 \ 167) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي يَدِهِ كِتَابَانِ فَقَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا هَذَانِ الْكِتَابَانِ؟" قَالَ: قُلْنَا: لَا، إِلَّا أَنْ تُخْبِرَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ لِلَّذِي فِي يَدِهِ الْيُمْنَى: " هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، بِأَسْمَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ، لَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا " ثُمَّ قَالَ لِلَّذِي فِي يَسَارِهِ: " هَذَا كِتَابُ أَهْلِ النَّارِ، بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ، لَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا " فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَلِأَيِّ شَيْءٍ إِذَنْ نَعْمَلُ إِنْ كَانَ هَذَا أَمْرًا قَدْ فُرِغَ مِنْهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، فَإِنَّ صَاحِبَ الْجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ، وَإِنَّ صَاحِبَ النَّارِ لَيُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ " ثُمَّ قَالَ: بِيَدِهِ فَقَبَضَهَا ثُمَّ قَالَ: " فَرَغَ رَبُّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْعِبَادِ " ثُمَّ قَالَ بِالْيُمْنَى: فَنَبَذَ بِهَا، فَقَالَ: " فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ "، وَنَبَذَ بِالْيُسْرَى، فَقَالَ: " فَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ". حاشية مسند أحمد * قَوْلُهُ: "وَفِي يَدِهِ كِتَابَانِ": الظَّاهِرُ إِبْقَاؤُهُمَا عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَلَا إِشْكَالَ فِيهِ، إِلَّا أَنَّهُ كَيْفَ حَمَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَيْنَكَ الْكِتَابَيْنِ بَيَدَيْهِ، مَعَ أَنَّهُ لَوْ جَمَعَ أَسْمَاءَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي كِتَابٍ بِالتَّفْصِيلِ، لَجَاءَ مُجَلَّدَاتٍ تَعْجِزُ عَنْ حَمْلِهَا الْجِمَالُ، لَكِنَّ مَنْشَأَ هَذَا الْإِشْكَالِ قِيَاسُ ذَلِكَ الْخَطِّ بِهَذَا الْخَطِّ الْمَعْلُومِ، وَهُوَ غَيْرُ سَدِيدٍ، فَانْظُرْ كَيْفَ جَمَعَ اللَّهُ فِي قَلْبٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ قَدْرُ لَوْزَةٍ، مِنَ الْعُلُومِ مَا تَعْجِزُ عَنْ حَمْلِهَا الْجِمَالُ؟! وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. * "إِلَّا أَنْ تُخْبِرَنَا": أَيْ: لَا نَعْلَمُهُ بِسَبَبٍ إِلَّا بِإِخْبَارِكَ، أَوْ فِي وَقْتٍ إِلَّا فِي وَقْتِ إِخْبَارِكَ، فَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ مُفَرَّغٌ، وَقِيلَ: مُنْقَطِعٌ؛ أَيْ: لَا نَعْلَمُ، وَلَكِنْ إِذَا أَخْبَرْتَنَا نَعْلَمُ. قُلْتُ: ظَاهِرُ تَقْرِيرِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ جَعَلَ إِنْ - بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ - شَرْطِيَّةً، وَهُوَ فَاسِدٌ رِوَايَةً، فَلْيُتَأَمَّلْ. * "لِلَّذِي": أَيْ: فِي شَأْنِهِ، وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ لِلْحَاضِرِينَ. * "أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ": أَيْ: أَوْقَعَ الْإِجْمَالَ عَلَى مَا انْتَهَى إِلَيْهِ التَّفْصِيلُ مِنَ الْعَدَدِ؛ بِأَنْ كَتَبَ الْجُمْلَةَ كَذَا عَلَى طَرِيقِ أَهْلِ الْحِسَابِ، وَلِأَجْلِ تَضْمِينِ "أُجْمِلَ" مَعْنَى "أُوقِعَ" عُدِّيَ بِعَلَى. * "إِنْ كَانَ هَذَا أَمْرٌ": هَكَذَا فِي نُسَخِ الْمُسْنَدِ، فَإِمَّا أَنْ يُجْعَلَ "أَمْرٌ" بَدَلًا مِنْ هَذَا، وَيَدُلَّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيُّ: "إِنْ كَانَ أَمْرٌ" بِدُونِ "هَذَا" وَإِمَّا أَنْ يُجْعَلَ مَنْصُوبًا خَبَرًا لَكَانَ؛ بِنَاءً عَلَى شُيُوعِ تَرْكِ الْأَلِفِ فِي الْمَنْصُوبِ كِتَابَةً فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ، صَرَّحَ بِهِ شُرَّاحُ الْحَدِيثُ. * "سَدِّدُوا": اجْعَلُوا أَعْمَالَكُمْ مُسْتَقِيمَةً عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ. * "وَقَارِبُوا": أَيِ: الِاسْتِقَامَةَ إِنْ لَمْ تَتِمَّ هِيَ، أَوِ اطْلُبُوا قُرْبَ اللَّهِ وَطَاعَتَهُ بِقَدْرِ مَا تُطِيقُونَهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا الْجَوَابُ مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ؛ أَيْ: فِيمَ أَنْتُمْ مِنْ ذَلِكَ الْقَدْرِ، وَإِنَّمَا خُلِقْتُمْ لِلْعِبَادَةِ؛ فَاعْمَلُوا وَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مُسْنَدِ عُمَرَ مَا يَتَعَلَّقُ بِتَحْقِيقِ الْجَوَابِ. * "فَرَغَ رَبُّكُمْ": أَيْ: قَدَّرَ أَمْرَهُمْ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْبَلُ تَغْيِيرًا وَلَا تَبْدِيلًا، فَكَأَنَّهُ فَرَغَ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. * * *

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية