الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مسند أحمد 5594 2719 - (5626) - (2 \ 89) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: " إِذَا بَلَغَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، آمَنَهُ اللَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَايَا: مِنَ الْجُنُونِ، وَالْبَرَصِ، وَالْجُذَامِ. وَإِذَا بَلَغَ الْخَمْسِينَ لَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ حِسَابَهُ، وَإِذَا بَلَغَ السِّتِّينَ، رَزَقَهُ اللَّهُ إِنَابَةً يُحِبُّهُ عَلَيْهَا، وَإِذَا بَلَغَ السَّبْعِينَ، أَحَبَّهُ اللَّهُ وَأَحَبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، وَإِذَا بَلَغَ الثَّمَانِينَ، تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُ حَسَنَاتِهِ وَمَحَا عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ، وَإِذَا بَلَغَ التِّسْعِينَ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَسُمِّيَ أَسِيرَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ وَشُفِّعَ فِي أَهْلِهِ ". حاشية مسند أحمد * قَوْلُهُ: "لَيَّنَ": أَيْ: قَدَّرَ لَهُ أَنْ يُلَيِّنَ حِسَابَهُ؛ أَيْ: أَنْ يَجْعَلَ حِسَابَهُ حِسَابًا يَسِيرًا. * "يَتَقَبَّلُ اللَّهُ": لَعَلَّ هَذَا هُوَ نَتِيجَةُ الْمَحَبَّةِ، فَيَظْهَرُ إِذَا كَمُلَتِ الْمَحَبَّةُ. * "غَفَرَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ. . . إِلَخْ": قَدْ يُقَالُ: هَذَا يُنَافِي مَا جَاءَ مِنَ التَّهْدِيدِ فِي حَقِّ الشَّيْخِ الزَّانِي، فَلْيُتَأَمَّلْ. * "وَشُفِّعَ": هُوَ - بِالتَّشْدِيدِ - عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ، أَوْ - بِالتَّخْفِيفِ - عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ. ثُمَّ خُلَاصَةُ مَا فِي "الْمَجْمَعِ": أَنَّ الْحَدِيثَ رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى بِأَسَانِيدَ، وَأَحْمَدُ بِاخْتِصَارٍ مَوْقُوفًا، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُهُ، وَرِجَالُهُ وُثِّقُوا عَلَى ضَعْفٍ، وَفِي إِسْنَادِ الْمَوْقُوفِ مَنْ لَمْ أَعْرِفْهُمُ، انْتَهَى. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: رَوَاهُ أَحْمَدُ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا، وَعِلَّةُ الْمَرْفُوعِ يُوسُفُ بْنُ أَبِي دُرَّةَ، وَفِي تَرْجَمَةٍ أَوْرَدَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي "تَارِيخِ الضُّعَفَاءِ" وَقَالَ: يَرْوِي الْمَنَاكِيرَ الَّتِي لَا أَصْلَ لَهَا، وَلَا يَحِلُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ بِحَالٍ. وَأَوْرَدَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي "الْمَوْضُوعَاتِ" وَأَعَلَّ الْمَوْقُوفَ بِالْفَرَجِ بْنِ فَضَالَةَ، وَحَكَى أَقْوَالَ الْأَئِمَّةِ فِي تَضْعِيفِهِ. ثُمَّ قَالَ الْعِرَاقِيُّ: قُلْتُ: وَقَدْ خَلَطَ فِيهِ الْفَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ، فَحَدَّثَ بِهِ عَنْ أَنَسٍ مَرَّةً، وَقَلَبَ إِسْنَادَهُ أُخْرَى، فَجَعَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. ثُمَّ قَالَ: وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي "الْمَوْضُوعَاتِ" مَعَ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ قَطْعًا، وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى ذَلِكَ مُخَالَفَةُ الْوَاقِعِ، وَقَدْ أَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا حَصَلَ لَهُ جُذَامٌ بَعْدَ السِّتِّينَ، فَضْلًا عَنِ الْأَرْبَعِينَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ إِنْ كَانَ هُوَ الْمُلَقَّبَ: "بِالدِّيبَاجِ" فَهُوَ لَمْ يُدْرِكِ ابْنَ عُمَرَ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: لَا يَكَادُ يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ، فَهُوَ مَجْهُولٌ، انْتَهَى. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: هَذَا الْحَدِيثُ فِي فَضْلِ طُولِ الْعُمُرِ فِي الْإِسْلَامِ؛ أَيْ: وَأَحَادِيثُ الْفَضَائِلِ مِمَّا يُسَامَحُ فِيهَا. . وَقَوْلُ الْقَرَافِيِّ: وَقَدْ خَلَطَ فِيهِ الْفَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ. قُلْتُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ تَخْلِيطِهِ فِي الْإِسْنَادِ أَنْ يَكُونَ الْمَتْنُ مَوْضُوعًا؛ فَإِنَّ لَهُ طُرُقًا عَنْ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ يَبْعُدُ الْحُكْمُ مَعَ مَجْمُوعِهَا عَلَى الْمَتْنِ بِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ. وَقَالَ: إِنَّ بَعْضَ تِلْكَ الطُّرُقِ كَافِيَةٌ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ حَكَمَ بِوَضْعِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضَ الطُّرُقِ فِي "الْقَوْلِ الْمُسَدَّدِ" وَقَالَ: وَقَدِ اسْتَوْعَبْتُ طُرُقَهُ فِي الْجُزْءِ الَّذِي سَمَّيْتُهُ: "مَعْرِفَةُ الْخِصَالِ الْمُكَفِّرَةِ لِلذُّنُوبِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَالْمُتَأَخِّرَةِ". وَقَوْلُهُ: إِنَّهُ مَوْضُوعٌ قَطْعًا، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَمْرٍ ظَنِّيٍّ عَجِيبٍ، كَيْفَ يَتَأَتَّى الْقَطْعُ بِهِ بِخَبَرِ رَجُلٍ، وَهُوَ ظَنِّيٌّ، عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، ثُمَّ دَبَّ فِيهِ قَلِيلًا قَلِيلًا إِلَى أَنْ ظَهَرَ بَعْدَ السِّتِّينَ، وَمَعَ هَذَا الِاحْتِمَالِ كَيْفَ يَتَأَتَّى الْقَطْعُ بِالْوَضْعِ؟ عَلَى أَنَّ لِلْحَدِيثِ عِنْدِي مُخَرَّجًا لَا يَرِدُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ عَامًّا، فَهُوَ مَخْصُوصٌ بِبَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ؛ لِأَنَّ عُمُومَهُ يَتَنَاوَلُ النَّاسَ كُلَّهُمْ، وَهُوَ مَخْصُوصٌ بِالْمُسْلِمِينَ قَطْعًا؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ لَا يُحِبُّهُمُ اللَّهُ، وَلَا يَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَإِذَا تَعَيَّنَ أَنَّ لَفْظَهُ الْعَامَّ مَحْمُولٌ عَلَى الْخَاصِّ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَيْضًا بِبَعْضِ الْمُسْلِمِينَ دُونَ بَعْضٍ، فَيُخَصُّ مَثَلًا بِغَيْرِ الْفَاسِقِ، وَيُحْمَلُ عَلَى أَهْلِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ، وَلَا مَانِعَ لِمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أَنْ يَمُنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِمَا ذُكِرَ فِي الْخَبَرِ، وَمَنِ ادَّعَى خِلَافَ ذَلِكَ، فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. ثُمَّ وَجَدْتُ فِي "تَفْسِيرِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ" بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ، انْتَهَى. قُلْتُ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْحَافِظُ مَبْنِيٌّ عَلَى غَفْلَةٍ عَنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ، وَإِلَّا فَلَفْظُهُ مَخْصُوصٌ بِالْمُسْلِمِ صَرِيحًا، لَا يَتَنَاوَلُ الْكُفَّارَ حَتَّى نَحْتَاجَ إِلَى التَّخْصِيصِ لِذَلِكَ، فَلْيُنْظُرْ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. * * *

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية