الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          واتخذ الله إبراهيم خليلا ، أي : اصطفاه لتوحيده وإقامة دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية ، وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم ، فكان إبراهيم خالصا مخلصا لله وبهذا المعنى سماه الله خليلا ، وإذا أراد الله أن يكرم عبدا من عباده أطلق عليه ما شاء ، وإلا فإن المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالنا له يتنزه الله عنه ، فإن الخلة بين الخليلين إنما تتحقق بشيء من المساواة بينهما ، وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط اهـ .

                          أقول : يطلق الخليل بمعنى الحبيب أو المحب لمن يحبه إذا كانت هذه المحبة خالصة من كل شائبة بحيث لم تدع في قلب صاحبها موضعا لحب آخر ، وهو من الخلة - بالضم - أي المحبة والمودة التي تتخلل النفس وتمازجها كما قال الشاعر :


                          قد تخللت مسلك الروح مني وبه سمي الخليل خليلا

                          والله يحب الأصفياء من عباده ويحبونه ، وقد كان إبراهيم كامل الحب لله ; ولذلك عادى أباه وقومه وجميع الناس في حبه تعالى والإخلاص له ، وقيل : إن الخليل هنا مشتق من الخلة - بفتح الخاء - وهي الحاجة ; لأن إبراهيم ما كان يشعر بحاجته إلى أحد غير الله عز وجل حتى قال في الحاجات العادية التي تكون بالتعاون بين الناس الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين ( 26 : 78 ، 79 ) ، والأول أظهر وأكمل ، والمراد بذكر هذه الخلة الإشارة إلى أعلى مراتب الإيمان التي كان عليها إبراهيم ; ليتذكر [ ص: 359 ] الذين يدعون اتباعه من اليهود والنصارى والعرب ما كان عليه من الكمال ، وما هم عليه من النقص ; ولذلك ذكر أهل الأثر أن هذه الآية نزلت في سياق الرد على أولئك المتفاخرين بدينهم المتبجح كل منهم بأنه على ملة إبراهيم ، والمعنى : أن إبراهيم قد اتخذه الله خليلا بأن من عليه بسلامة الفطرة وقوة العقل وصفاء الروح وكمال المعرفة بالوحي والفناء في التوحيد ، فأين أنتم من ذلك ؟ ! ولا تكاد توجد كلمة في اللغة تمثل هذه المعاني غير كلمة الخليل ، وأما لوازم هذه الكلمة في استعمال البشر التي هي خاصة بهم فينزه الله عنها بأدلة العقل والنقل ، ثم قال عز وجل :

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية