الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 203 ] خبر عدنان جد عرب الحجاز

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      لا خلاف أن عدنان من سلالة إسماعيل بن ابراهيم الخليل عليهما السلام ، واختلفوا في عدة الآباء بينه وبين إسماعيل على أقوال كثيرة فأكثر ما قيل : أربعون أبا وهو الموجود عند أهل الكتاب أخذوه من كتاب رخيا كاتب أرميا بن حلقيا على ما سنذكره وقيل : بينهما ثلاثون وقيل : عشرون وقيل : خمسة عشر وقيل : عشرة وقيل : تسعة وقيل : سبعة وقيل : إن أقل ما قيل في ذلك أربعة; لما رواه موسى بن يعقوب عن عبد الله بن وهب بن زمعة الزمعي عن عمته عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال معد بن عدنان بن أدد بن زند بن يرى بن أعراق الثرى قالت أم سلمة : فزند هو الهميسع واليرى هو نبت ، وأعراق الثرى هو إسماعيل; لأنه ابن ابراهيم ، وإبراهيم لم تأكله النار كما أن النار لا تأكل الثرى قال الدارقطني : لا نعرف زندا إلا في هذا الحديث ، وزند بن الجون وهو أبو دلامة الشاعر

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 204 ] قال الحافظ أبو القاسم السهيلي وغيره من الأئمة : مدة ما بين عدنان إلى زمن إسماعيل أكثر من أن يكون بينهما أربعة أباء أو عشرة أو عشرون; وذلك أن معد بن عدنان كان عمره زمن بختنصر ثنتي عشرة سنة ، وقد ذكر أبو جعفر الطبري وغيره أن الله تعالى أوحى في ذلك الزمان إلى أرمياء بن حلقيا : أن اذهب إلى بختنصر فأعلمه أني قد سلطته على العرب ، وأمر الله أرميا أن يحمل معه معد بن عدنان على البراق كي لا تصيبه النقمة فيهم فإني مستخرج من صلبه نبيا كريما أختم به الرسل ففعل أرميا ذلك ، واحتمل معدا على البراق إلى أرض الشام فنشأ مع بني إسرائيل ممن بقي منهم بعد خراب بيت المقدس ، وتزوج هناك امرأة اسمها معانة بنت جوشن من بني دب بن جرهم قبل أن يرجع إلى بلاده ، ثم عاد بعد أن هدأت الفتن ، وتمحضت جزيرة العرب وكان رخيا كاتب أرمياء قد كتب نسبه في كتاب عنده ليكون في خزانة أرمياء فيحفظ نسب معد كذلك . والله أعلم . ولهذا كره مالك رحمه الله رفع النسب إلى ما بعد عدنان .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      قال السهيلي : وإنما تكلمنا في رفع هذه الأنساب على مذهب من يرى ذلك ، ولم يكرهه كابن إسحاق والبخاري والزبير بن بكار والطبري وغيرهم من العلماء ، وأما مالك رحمه الله فقد سئل عن الرجل يرفع نسبه إلى آدم فكره ذلك ، وقال له : من أين له علم ذلك ؟ فقيل له : فإلى [ ص: 205 ] إسماعيل فأنكر ذلك أيضا ، وقال : ومن يخبره به ؟ وكره أيضا أن يرفع في نسب الأنبياء مثل أن يقال : ابراهيم بن فلان بن فلان هكذا ذكره المعيطي في كتابه .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      قال : وقول مالك هذا نحو مما روي عن عروة بن الزبير أنه قال : ما وجدنا أحدا يعرف ما بين عدنان وإسماعيل . وعن ابن عباس أنه قال : بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون . وروي عن ابن عباس أيضا أنه كان إذا بلغ عدنان يقول : كذب النسابون مرتين أو ثلاثا . والأصح عن ابن مسعود مثله . وقال عمر بن الخطاب إنما ننتسب إلى عدنان ، وقال أبو عمر ابن عبد البر في كتابه " الإنباه في معرفة قبائل الرواة " روى ابن لهيعة عن أبي الأسود أنه سمع عروة بن الزبير يقول : ما وجدنا أحدا يعرف ما وراء عدنان ولا ما وراء قحطان إلا تخرصا . وقال أبو الأسود : سمعت أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة - وكان من أعلم قريش بأشعارهم وأنسابهم - يقول : ما وجدنا أحدا يعرف ما وراء معد بن [ ص: 206 ] عدنان في شعر شاعر ولا علم عالم .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      قال أبو عمر : وكان قوم من السلف منهم عبد الله بن مسعود ، وعمرو بن ميمون الأودي ، ومحمد بن كعب القرظي إذا تلوا والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله [ إبراهيم : 9 ] قالوا كذب النسابون .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      قال أبو عمر رحمه الله : والمعنى عندنا في هذا غير ما ذهبوا والمراد أن من ادعى إحصاء بني آدم; فإنهم لا يعلمهم إلا الله الذي خلقهم ، وأما أنساب العرب فإن أهل العلم بأيامها وأنسابها قد وعوا وحفظوا جماهيرها ، وأمهات قبائلها ، واختلفوا في بعض فروع ذلك .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      قال أبو عمر : والذي عليه أئمة هذا الشأن في نسب عدنان قالوا : عدنان بن أدد بن مقوم بن ناحور بن تيرح بن يعرب بن يشجب بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام ، وهكذا ذكره محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      قال ابن هشام : ويقال عدنان بن أد يعني : عدنان بن أد بن أدد ، ثم ساق أبو عمر بقية النسب إلى آدم كما قدمناه في قصة الخليل عليه [ ص: 207 ] السلام . وأما الأنساب إلى عدنان من سائر قبائل العرب فمحفوظة شهيرة جدا لا يتمارى فيها اثنان والنسب النبوي إليه أظهر وأوضح من فلق الصبح . وقد ورد حديث مرفوع بالنص عليه كما سنورده في موضعه بعد الكلام على قبائل العرب ، وذكر أنسابها وانتظامها في سلك النسب الشريف والأصل المنيف ، إن شاء الله تعالى ، وبه الثقة وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم . وما أحسن ما نظم النسب النبوي الإمام أبو العباس عبد الله بن محمد الناشئ في قصيدته المشهورة المنسوبة إليه وهي قوله


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      مدحت رسول الله أبغي بمدحه وفور حظوظي من كريم المآرب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      مدحت امرأ فاق المديح     موحدا بأوصافه عن مبعد ومقارب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      نبيا تسامى في المشارق نوره     فلاحت هواديه لأهل المغارب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      أتتنا به الأنباء قبل مجيئه     وشاعت به الأخبار في كل جانب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وأصبحت الكهان تهتف باسمه     وتنفي به رجم الظنون الكواذب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وأنطقت الأصنام نطقا تبرأت إلى     الله فيه من مقال الأكاذب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وقالت لأهل الكفر قولا مبينا     أتاكم نبي من لؤي بن غالب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ورام استراق السمع جن فزيلت     مقاعدهم منها رجوم الكواكب

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 208 ]

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      هدانا إلى ما لم نكن نهتدي     له لطول العمى من واضحات المذاهب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وجاء بآيات تبين أنها     دلائل جبار مثيب معاقب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      فمنها انشقاق البدر حين تعممت     شعوب الضيا منه رءوس الأخاشب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ومنها نبوع الماء بين بنانه     وقد عدم الوراد قرب المشارب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      فروى به جما غفيرا وأسهلت     بأعناقه طوعا أكف المذانب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وبئر طغت بالماء من مس سهمه     ومن قبل لم تسمح بمذقة شارب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وضرع مراه فاستدر ولم يكن     به درة تصغي إلى كف حالب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ونطق فصيح من ذراع مبينة     لكيد عدو للعداوة ناصب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وأخباره بالأمر من قبل كونه     وعند بواديه بما في العواقب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ومن تلكم الآيات وحي أتى     به قريب المآتي مستجم العجائب

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 209 ]

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      تقاصرت الأفكار عنه فلم . يطع     بليغا ولم يخطر على قلب خاطب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      حوى كل علم واحتوى كل حكمة     وفات مرام المستمر الموارب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      أتانا به لا عن روية مرتئ     ولا صحف مستمل ولا وصف كاتب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      يواتيه طورا في إجابة سائل     وإفتاء مستفت ووعظ مخاطب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وإتيان برهان وفرض شرائع     وقص أحاديث ونص مآرب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وتصريف أمثال وتثبيت حجة     وتعريف ذي جحد وتوقيف كاذب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وفي مجمع النادي وفي حومة الوغى     وعند حدوث المعضلات الغرائب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      فيأتي على ما شئت من طرقاته     قويم المعاني مستدر الضرائب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      يصدق منه البعض بعضا كأنما     يلاحظ معناه بعين المراقب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وعجز الورى عن أن يجيئوا بمثل ما     وصفناه معلوم بطول التجارب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      تأبى بعبد الله أكرم والد     تبلج منه عن كريم المناسب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وشيبة ذي الحمد الذي فخرت     به قريش على أهل العلا والمناصب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ومن كان يستسقى الغمام بوجهه     ويصدر عن آرائه في النوائب

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 210 ]

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وهاشم الباني مشيد افتخاره     بغر المساعي وامتنان المواهب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وعبد مناف وهو علم قومه     اشتطاط الأماني واحتكام الرغائب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وإن قصيا من كريم غراسه     لفي منهل لم يدن من كف قاضب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      به جمع الله القبائل بعد ما     تقسمها نهب الأكف السوالب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وحل كلاب من ذرى المجد معقلا     تقاصر عنه كل دان وغائب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ومرة لم يحلل مريرة عزمه     سفاه سفيه أو محوبة حائب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وكعب علا عن طالب المجد كعبه     فنال بأدنى السعي أعلى المراتب
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      .


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وألوى لؤي بالعداة فطوعت له     همم الشم الأنوف الأغالب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وفي غالب بأس أبي البأس دونهم     يدافع عنهم كل قرن مغالب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وكانت لفهر في قريش خطابة     يعوذ بها عند اشتجار المخاطب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وما زال منهم مالك خير مالك     وأكرم مصحوب وأكرم صاحب

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 211 ] وللنضر طول يقصر الطرف دونه     بحيث التقى ضوء النجوم الثواقب

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      لعمري لقد أبدى كنانة قبله     محاسن تأبى أن تطوع لغالب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ومن قبله أبقى خزيمة حمده     تليد تراث عن حميد الأقارب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ومدركة لم يدرك الناس مثله     أعف وأعلى عن دني المكاسب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وإلياس كان اليأس منه     مقارنا لأعدائه قبل اعتداد الكتائب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وفي مضر يستجمع الفخر كله     إذا اعتركت يوما زحوف المقانب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وحل نزار من رياسة أهله     محلا تسامى عن عيون الرواقب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وكان معد عدة لوليه إذا     خاف من كيد العدو المحارب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ومازال عدنان إذا عد فضله     توحد فيه عن قرين وصاحب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وأد تأدى الفضل منه بغاية     وارث حواه عن قروم أشايب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وفي أدد حلم تزين بالحجا     إذا الحلم أزهاه قطوب الحواجب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ومازال يستعلي هميسع بالعلى     ويتبع آمال البعيد المراغب

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 212 ]

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ونبت بنته دوحة العز وابتنى     معاقله في مشمخر الأهاضب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وحيزت لقيدار سماحة حاتم     وحكمة لقمان وهمة حاجب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      همو نسل إسماعيل صادق وعده     فما بعده في الفخر مسعى لذاهب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وكان خليل الله أكرم من عنت     له الأرض من ماش عليها وراكب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وتارح مازالت له أريحية     تبين منه عن حميد المضارب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وناحور نحار العدى حفظت له     مآثر لما يحصها عد حاسب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وأشرع في الهيجاء ضيغم غابة     يقد الطلى بالمرهفات القواضب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وأرغو ناب في الحروب محكم     ضنين على نفس المشح المغالب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وما فالغ في فضله تلو قومه     ولا عابر من دونهم في المراتب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وشالخ وأرفخشذ وسام سمت     بهم سجايا حمتهم كل زار وعائب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وما زال نوح عند ذي العرش فاضلا     يعدده في المصطفين الأطايب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ولمك أبوه كان في الروع رائعا     جريئا على نفس الكمي المضارب

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 213 ]

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ومن قبل لمك لم يزل متوشلخ     يذود العدى بالذائدات الشوارب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وكانت لإدريس النبي منازل     من الله لم تقرن بهمة راغب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ويارد بحر عند آل سراته     أبي الخزايا مستدق المآرب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وكانت لمهلاييل فهم فضائل     مهذبة من فاحشات المثالب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وقينان من قبل اقتنى مجد قومه     وفات بشأو الفضل وخد الركائب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وكان أنوش ناش للمجد نفسه     ونزهها عن مرديات المطالب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ومازال شيث بالفضائل فاضلا     شريفا بريئا من ذميم المعائب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وكلهم من نور آدم أقبسوا     وعن عوده أجنوا ثمار المناقب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وكان رسول الله أكرم منجب     جرى في ظهور الطيبين المناجب

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      مقابلة آباؤه أمهاته     مبرأة من فاضحات المثالب


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      عليه سلام الله في كل شارق     ألاح لنا ضوءا وفي كل غارب

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      هكذا أورد القصيدة الشيخ أبو عمر ابن عبد البر ، وشيخنا الحافظ [ ص: 214 ] أبو الحجاج المزي في تهذيبه من شعر الأستاذ أبي العباس عبد الله بن محمد الناشئ المعروف بابن شرشير ، أصله من الأنبار ورد بغداد ، ثم ارتحل إلى مصر فأقام بها حتى مات سنة ثلاث وتسعين ومائتين . وكان متكلما معتزليا يحكي عنه الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتابه المقالات فيما يحكي عن المعتزلة وكان شاعرا مطبقا حتى أن من جملة اقتداره على الشعر كان يعاكس الشعراء في المعاني فينظم في مخالفتهم ، ويبتكر ما لا يطيقونه من المعاني البديعة والألفاظ البليغة حتى نسبه بعضهم إلى التهوس والاختلاط . وذكر الخطيب البغدادي أن له قصيدة على قافية واحدة قريبا من أربعة آلاف بيت ذكرها الناجم وأرخ وفاته كما ذكرنا .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      قلت : وهذه القصيدة تدل على فضيلته وبراعته وفصاحته وبلاغته وعلمه وفهمه وحفظه وحسن لفظه واطلاعه واضطلاعه واقتداره على نظم هذا النسب الشريف في سلك شعره ، وغوصه على هذه المعاني التي هي جواهر نفيسة من قاموس بحره فرحمه الله وأثابه وأحسن مصيره وإيابه .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية