الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                        صفحة جزء
                        قال الرازي في المحصول : اختلفوا في أنه هل يجوز أن يقول الله تعالى للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أو للعالم : احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب ؟

                        فقطع بوقوعه موسى بن عمران ( من المعتزلة ) وقطع جمهور المعتزلة بامتناعه . وتوقف الشافعي في امتناعه وجوازه ، وهو المختار انتهى .

                        [ ص: 752 ] ولا خلاف في جواز التفويض إلى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم ، أو المجتهد ، أن يحكم بما رآه بالنظر والاجتهاد ، وإنما الخلاف في تفويض الحكم بما شاء المفوض ، وكيف اتفق له .

                        واستدل من قال بالجواز : بأنه ليس بممتنع لذاته ، والأصل عدم امتناعه لغيره .

                        وهذا الدليل ساقط جدا ، وتفويض من كان ذا علم ، بأن يحكم بما أراد من غير تقييد بالنظر والاجتهاد ، مع كون الأحكام الشرعية تختلف مسالكها ، وتتباين طرائقها ، ولا علم للعبد بما عند الله - عز وجل - فيها ، ولا بما هو الحق الذي يريده من عباده ، ولا ينبغي لمسلم أن يقول بجوازه ، ولا يتردد في بطلانه ، فإن العالم الجامع لعلوم الاجتهاد المتمكن من النظر والاستدلال ، إذا بحث وفحص وأعطى النظر حقه ، فليس معه إلا مجرد الظن بأن ذلك الذي رجحه وقاله هو الحق الذي طلبه الله - عز وجل - فكيف يحل له أن يقول ما أراد ويفعل ما اختار من دون نظر واجتهاد ، وكيف يجوز مثل ذلك على الله - عز وجل - مع القطع بأن هذا العالم الذي زعم الزاعم جواز تفويضه مكلف بالشريعة الإسلامية ; لأنه واحد من أهلها مأخوذ بما أخذوا به مطلوب منه ما طلب منهم ، فما الذي رفع عنه التكليف الذي كلف به غيره ، وما الذي أخرجه مما كان فيه من الخطاب ، بما كلف به ، وهل هذه المقالة إلا مجرد جهل بحت ومجازفة ظاهرة ، وكيف يصح أن يقال بتفويض العبد ، مع جهله بما في أحكام الله من المصالح ، فإن من كان هكذا قد يقع اختياره على ما فيه مصلحة ، وعلى ما لا مصلحة فيه .

                        وأما الاستدلال بقوله سبحانه : كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه فهو خارج عن محل النزاع ; لأن هذا تفويض لنبي من أنبياء الله ، وهم معصومون من الخطأ ، وإذا وقع منهم نادرا فلا يقرون عليه ، وجميع إصدارهم وإيرادهم هو بوحي من الله - عز وجل ، أو باجتهاد يقرره الله - عز وجل - ويرضاه ، وهكذا يقال فيما استدلوا به من اجتهادات نبينا - صلى الله عليه وآله وسلم - ووقوع الجوابات منه على من سأله من دون انتظار الوحي ، وبمثل قوله - صلى الله عليه وآله وسلم - : لو استقبلت من أمري ما استدبرت وبمثل قوله لما سمع أبيات قتيلة [ ص: 753 ] بنت الحرث : " لو بلغني هذا لمننت عليه " أي على أخيها النضر بن الحرث أحد أسرى بدر ، والقصة والشعر معروفان .

                        وأما اعتذار من اعتذر عن القائل بصحة ذلك ، بأنه إنما قال بالجواز ، ولم يقل بالوقوع ، فليس هذا الاعتذار بشيء فإن تجويز مثل هذا على الله - عز وجل - مما لا يحل لمسلم أن يقول به .

                        وقد عرفت أنه لا خلاف في جواز التفويض إلى الأنبياء ، وإلى المجتهدين بالنظر والاجتهاد ، فليس محل النزاع إلا التفويض لمن كان من أهل العلم ، أن يحكم بما شاء ، وكيف اتفق ، وحينئذ يتبين لك أن غالب ما جاءوا به ( في هذه المسألة من الأدلة واقع في غير موقعه ، وأنه لا يمكن الاستدلال به في محل الخلاف ، ولم يأتوا بشيء تقبله العقول ، ولا بدليل يدل عليه الشرع ، بل جميع ما جاءوا به ) جهل على جهل ، وظلمات بعضها فوق بعض .

                        التالي السابق


                        الخدمات العلمية