الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                        صفحة جزء
                        المبحث الثاني : في معنى النهي الحقيقي

                        اختلفوا في معنى النهي الحقيقي ، فذهب الجمهور إلى أن معناه الحقيقي هو التحريم ، وهو الحق ، ويرد ويرد فيما عداه مجازا ، كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم لا تصلوا في مبارك الإبل فإنه للكراهة ، وكما في قوله تعالى : ربنا لا تزغ قلوبنا فإنه [ ص: 332 ] للدعاء ، وكما في قوله تعالى : لا تسألوا عن أشياء فإنه للإرشاد ، وكما في قول السيد لعبده الذي لم يمتثل أمره : لا تمتثل أمري ، فإنه للتهديد ، وكما في قوله تعالى : ولا تمدن عينيك فإنه للتحقير ، وكما في قوله تعالى : ولا تحسبن الله غافلا فإنه لبيان العاقبة ، وكما في قوله تعالى : لا تعتذروا اليوم فإنه للتأييس ، وكما في قولك لمن يساويك : لا تفعل ، فإنه للالتماس .

                        والحاصل أنه يرد يرد مجازا لما ورد له الأمر ، كما تقدم ، ولا يخالف الأمر إلا في كونه يقتضي التكرار في جميع الأزمنة ، وفي كونه للفور ، فيجب ترك الفعل في الحال .

                        قيل : ويخالف الأمر أيضا في كون تقدم الوجوب قرينة دالة على أنه للإباحة ، ونقل ونقل الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني الإجماع على أنه لا يكون تقدم تقدم الوجوب قرينة للإباحة ، وتوقف الجويني في نقل الإجماع ، ومجرد هذا التوقف لا يثبت له في نقل الأستاذ .

                        واحتج القائلون بأنه حقيقة في التحريم : بأن العقل يفهم الحتم من الصيغة المجردة عن القرائن وذلك دليل الحقيقة .

                        واستدلوا أيضا باستدلال السلف بصيغة النهي المجردة على التحريم .

                        وقيل : إنه حقيقة في الكراهة ، واستدلوا على ذلك بأن النهي إنما يدل على مرجوحية المنهي عنه ، وهو لا يقتضي التحريم .

                        وأجيب : بمنع ذلك ، بل السابق إلى الفهم عند التجرد هو التحريم .

                        وقيل مشترك بين التحريم والكراهة ، فلا يتعين أحدهما إلا بدليل ، وإلا كان جعله لأحدهما ترجيحا من غير مرجح .

                        وقالت الحنفية : إنه يكون للتحريم إذا كان الدليل قطعيا ، ويكون للكراهة إذا كان الدليل ظنيا .

                        [ ص: 333 ] ورد ورد بأن النزاع إنما هو في طلب الترك الترك ، وهذا طلب قد يستفاد بقطعي فيكون قطعيا ، وقد يستفاد بظني فيكون ظنيا .

                        التالي السابق


                        الخدمات العلمية