الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                        صفحة جزء
                        [ ص: 366 ] المسألة التاسعة : في عموم الفعل المثبت

                        الفعل المثبت إذا كان له جهات ، فليس بعام في أقسامه ; لأنه يقع على صفة واحدة فإن عرف تعين ، وإلا كان مجملا يتوقف فيه ، مثل قول الراوي : صلى بعد غيبوبة الشفق ، فلا يحمل على الأحمر والأبيض ، وكذلك : صلى في الكعبة ، فلا يعم الفرض والنفل . هكذا قال القاضي أبو بكر . ، والقفال الشاشي ، والأستاذ أبو منصور ، والشيخ أبو حامد الإسفراييني ، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي ، وسليم الرازي ، وابن السمعاني ، وإمام الحرمين الجويني ، وابن القشيري ، والإمام فخر الدين الرازي ، واستدلوا على ذلك بأنه إخبار عن فعل ، ومعلوم أن الفاعل لم يفعل كل ما اشتمل عليه تسمية ذلك الفعل ، مما لا يمكن استيعاب فعله ، فلا معنى للعموم في ذلك .

                        قال الغزالي : وكما لا عموم له بالنسبة إلى أحوال الفعل فلا عموم له بالنسبة إلى الأشخاص ، بل يكون خاصا في حقه صلى الله عليه وسلم إلا أن يدل دليل من خارج لقوله صلى الله عليه وسلم صلوا كما رأيتموني أصلي ، وهذا غير مسلم ، فإن دليل التأسي به صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ، وقوله قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ، ونحو ذلك ، يدل على أن ما فعله صلى الله عليه وسلم فسائر أمته مثله ، إلا أن يدل دليل على أنه خاص به .

                        وأطلق ابن الحاجب أن الفعل المثبت ليس بعام في أقسامه ، ثم اختار في نحو قوله [ ص: 367 ] نهى عن بيع الغرر ، وقضى بالشفعة للجار ، أنه يعم الغرر والجار مطلقا ، وقد تقدمه إلى ذلك شيخه الإبياري ، والآمدي ، وهو الحق ; لأن مثل هذا ليس بحكاية للفعل الذي فعله ، بل حكاية لصدور النهي منه عن بيع الغرر ، والحكم منه بثبوت الشفعة للجار ; لأن عبارة الصحابي يجب أن تكون مطابقة للمقول لمعرفته باللغة وعدالته ، ووجوب مطابقة الرواية للمسموع .

                        وبهذا تعرف ضعف ما قاله في المحصول من أن قول الصحابي : نهى عن بيع الغرر ، والحكم منه بثبوت الشفعة - لا يفيد العموم ; لأن الحجة في المحكي ، لا في الحكاية ، والذي رآه الصحابي حتى روى النهي يحتمل أن يكون خاصا بصورة واحدة ، وأن يكون عاما ، ومع الاحتمال لا يجوز القطع بالعموم .

                        قال : وأيضا قول الصحابي : قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالشاهد واليمين ، لا يفيد العموم ، وكذا قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قضيت بالشفعة لاحتمال كونه حكاية عن قضاء لجار معروف ، ويكون الألف واللام للتعريف ، وقوله " قضيت " حكاية عن فعل معين ماض ، فأما قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : قضيت بالشفعة ، وقول الراوي : أنه قضى بالشفعة للجار ، فالاحتمال فيهما قائم ، ولكن جانب العموم راجح . انتهى .

                        ولا يخفاك أن جانب العموم راجح في الصورتين كليهما .

                        أما قوله : نهى عن بيع الغرر ، وقضى بالشاهد واليمين فرجحان عمومه ، وضعف دعوى احتمال كونه خاصا - في غاية الوضوح لما قدمنا ، وقد نقل الآمدي عن [ ص: 368 ] الأكثرين مثل ما ذكره صاحب المحصول ، وهو خلاف الصواب ، وإن قال به الأكثرون ; لأن الحجة في الحكاية لثقة الحاكي ومعرفته .

                        وحكي عن بعض أهل الأصول التفصيل بين أن يقترن الفعل بحرف " أن " فيكون للعموم ، كقوله : قضى أن الخراج بالضمان ، وبين أن لا يقترن فيكون خاصا نحو قضى بالشفعة للجار ، وقد حكى هذا القول القاضي في التقريب ، والأستاذ أبو منصور ، والشيخ أبو إسحاق ، والقاضي عبد الوهاب ، وصححه ، وحكاه عن أبي بكر القفال ، وجعل بعض المتأخرين النزاع لفظيا من جهة أن المانع للعموم ينفي عموم الصيغة المذكورة نحو أمر ، وقضى ، والمثبت للعموم فيها هو باعتبار دليل خارجي . انتهى .

                        وأما نحو قول الصحابي : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يفعل كذا ، فلا يجري فيه الخلاف المتقدم ; لأن لفظ " كان " هو الذي دل على التكرار لا لفظ الفعل الذي بعدها ، نحو : كان يجمع ، وإنما الخلاف في قول الراوي جمع ونحوه ، وهذا إذا دلت قرينة على عدم الخصوص كوقوعه بعد إجمال أو إطلاق أو عموم صيغة أو صفة ، فيفهم أنه بيان فنتبعه .

                        التالي السابق


                        الخدمات العلمية