الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        المسألة الثالثة : لو كان لمسلم على حربي دين ، فاسترق ، لم يسقط الدين ، فلو كان الدين للسابي ، ففي سقوطه الوجهان فيمن كان له دين على عبد غيره فملكه ، وإذا لم يسقط ، قضى من الغنيمة بعد استرقاقه ، ويقدم الدين على الغنيمة ، كما يقدم على الوصية ، وإن زال ملكه بالرق ، كما أن الدين على المرتد يقضى من ماله ، وإن أزلنا ملكه ، ولأن الرق كالموت والحجر ، وكلاهما يعلق الدين بالمال ، فإن غنم المال قبل استرقاقه ، ملكه الغانمون ، ولم يقض منه الدين ، كما لو انتقل ملكه بوجه آخر ، وإن غنم مع استرقاقه ، فوجهان ، أحدهما : يقدم الدين ، كما يقدم في التركة ، وأصحهما : تقدم الغنيمة ، لتعلقها بالعين ، كما يقدم حق المجني عليه على حق المرتهن ، وليس من المعية أن يقع الاغتنام مع الأسر ؛ لأن المال يملك بنفس الأخذ ، والرق لا يحصل بنفس الأسر في [ ص: 256 ] الرجال الكاملين ، ولكن يظهر ذلك في النسوة ، وفيما إذا وقع الاغتنام مع إرقاق الإمام بعد الأسر ، وإذا لم يوجد مال يقضي منه الدين ، فهو في ذمته إلى أن يعتق ، وهل يحل الدين المؤجل بالرق ؟ وجهان مرتبان على الخلاف في الحلول بالإفلاس ، وأولى بالحلول ؛ لأنه يشبه الموت من حيث إنه يزيل الملك ، ويقطع النكاح ، هذا إن كان الدين لمسلم ، فإن كان لذمي ، فمثله أجاب الإمام ، وقال : دين الذمي محترم ، كعين ماله ، وذكر البغوي فيه وجهين ، وإن كان الحربي ، واسترق المدين ، فالمحكي عن القاضي حسين وهو الظاهر : سقوط الدين وفيه احتمال للإمام ، هذا إذا استرق من عليه الدين ، أما إذا استرق من له الدين ، فلا تبرأ ذمة المدين ، بل هو كودائع الحربي المسبي ، هذا لفظه في " الوسيط " ولم ينص والحالة هذه على حال من عليه الدين ، وذكر الإمام هذا الجواب فيما إذا استقرض مسلم من حربي ، أو اشترى منه شيئا والتزم الثمن ثم استرق المستحق ، قال : لا يسقط .

                                                                                                                                                                        وفي " التهذيب " أنه لو كان لحربي على حربي دين ، واسترق من أحدهما ، سقط لزوال ملكه ، قال : ولو قهر المدين رب الدين ، سقط ؛ لأن الدار دار حرب ، حتى إذا قهر العبد سيده يصير حرا ويصير السيد عبدا له ، ولو قهرت امرأة زوجها ، ملكته ، وانفسخ النكاح ، وقد يفهم من هذه الجملة أنه إن كان دين المسترق على مسلم ، طولب به ، كما يطالب بودائعه ؛ لأنه ملتزم ، وإن كان على حربي ، سقط ؛ لأن المستحق زال ملكه ، والحربي غير ملتزم حتى يطالب ، ولو اقترض من حربي ، أو التزم بالشراء ثمنا ، ثم أسلما ، أو قبلا الجزية ، أو الأمان ، فالاستحقاق مستمر ، وكذا يبقى مهر الزوجة إذا أسلما إن لم يكن خمرا ونحوه ، ولو سبق المستقرض إلى الإسلام أو الأمان ، فالنص أن الدين يستمر ، كما لو أسلما ، ونص أنه لو ماتت زوجة حربي ، فجاءنا مسلما ، أو [ ص: 257 ] مستأمنا ، فجاء ورثتها يطلبون مهرها ، لم يكن لهم شيء ، وللأصحاب طريقان ، أحدهما : فيهما قولان ، أظهرهما : يبقى الاستحقاق ، وعلى هذا تبتنى قواعد نكاح المشركات ، والثاني : المنع ، لأنه يبعد أن يمكن الحربي من مطالبة مسلم أو ذمي ، والطريق الثاني : القطع بالقول الأول ، وحمل النص الثاني على من أصدقها خمرا ، وقبضته في الكفر ، ولو أتلف حربي مالا على حربي ، أو غصبه ، ثم أسلما ، أو أسلم المتلف ، فوجهان ، أصحهما : لا يطالبه بالضمان ، لأنه لم يلتزم شيئا ، والإسلام يجب ما قبله ، والإتلاف ليس عقدا يستدام ، ولأن الحربي لو قهر حربيا على ماله ملكه ، والإتلاف نوع من القهر ، ولأن إتلاف مال الحربي لا يزيد على إتلاف مال المسلم ، وهو لا يوجب الضمان على الحربي ، والثاني : يطالب ، لأنه لازم عندهم ، فكأنهم تراضوا عليه ، ويزيد على هذا ما نقل عن القاضي حسين أن الحربي لو جنى على مسلم ، فاسترق ، فأرش الجناية في ذمته ، قال الإمام : هذا إخلال من ناقل ، أو هفوة من القاضي .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية