الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      فَصْلٌ وَأَمَرَ النَّائِبُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكَاتِبَ ، فَكَتَبَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَوَابَهُ بِعَيْنِهِ ، وَبَعَثَ بِهِ إِلَى الْمَأْمُونِ فَجَاءَ الْجَوَابُ بِمَدْحِ النَّائِبِ عَلَى مَا فَعَلَ ، وَالرَّدِّ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ ، فَرَدَّ مَا قَالَ فِي كِتَابٍ أَرْسَلَهُ ، وَأَمَرَ نَائِبَهُ أَنْ يَمْتَحِنَهُمْ أَيْضًا ، فَمَنْ أَجَابَ مِنْهُمْ شُهِرَ أَمْرُهُ فِي النَّاسِ ، وَمَنْ لَمْ يُجِبْ مِنْهُمْ إِلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ ، فَابْعَثْ بِهِ إِلَى عَسْكَرِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُقَيَّدًا ، مُحْتَفَظًا بِهِ حَتَّى يَصِلَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَيَرَى فِيهِ رَأْيَهُ ، وَمِنْ مَذْهَبِهِ أَنْ يَضْرِبَ عُنُقَ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ . فَعَقَدَ الْأَمِيرُ بِبَغْدَادَ مَجْلِسًا آخَرَ ، وَأَحْضَرَ أُولَئِكَ وَفِيهِمْ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ وَكَانَ صَاحِبًا لِبِشْرِ بْنِ الْوَلِيدِ الْكِنْدِيِّ ، وَقَدْ نَصَّ الْمَأْمُونُ عَلَى قَتْلِهِمَا إِنْ لَمْ يُجِيبَا عَلَى الْفَوْرِ ، فَلَمَّا امْتَحَنَهُمْ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ثَانِيًا بَعْدَ قِرَاءَةِ كِتَابِ الْخَلِيفَةِ أَجَابُوا كُلُّهُمْ مُكْرَهِينَ مُتَأَوِّلِينَ قَوْلَهُ تَعَالَى إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ [ النَّحْلِ : 106 ] إِلَّا أَرْبَعَةً ؛ وَهُمْ : أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نُوحٍ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ سَجَّادَةُ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ . فَقَيَّدَهُمْ وَأَرْصَدَهُمْ لِيَبْعَثَ بِهِمْ إِلَى الْمَأْمُونِ ثُمَّ اسْتَدْعَى بِهِمْ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَامْتَحَنَهُمْ ، فَأَجَابَ سَجَّادَةُ إِلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ ، فَأَطْلَقَ قَيْدَهُ وَأَطْلَقَهُ ، ثُمَّ امْتَحَنَهُمْ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَأَجَابَ الْقَوَارِيرِيُّ إِلَى ذَلِكَ ، فَأَطْلَقَ قَيْدَهُ أَيْضًا وَأَطْلَقَهُ ، وَأَصَرَّ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ نُوحٍ الْجُنْدَيْسَابُورِيُّ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ ذَلِكَ فَأَكَّدَ قُيُودَهُمَا وَجَمَعَهُمَا فِي الْحَدِيدِ ، وَبَعَثَ بِهِمَا إِلَى الْخَلِيفَةِ وَهُوَ بِطَرَسُوسَ ، وَكَتَبَ مَعَهُمَا كِتَابًا بِإِرْسَالِهِمَا إِلَيْهِ ، فَسَارَا مُقَيَّدَيْنِ فِي مَحَارَةٍ عَلَى جَمَلٍ مُتَعَادِلِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَجَعَلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ يَدْعُو اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمَأْمُونِ وَأَنْ لَا يَرَيَاهُ وَلَا يَرَاهُمَا . وَجَاءَ كِتَابُ الْمَأْمُونِ إِلَى نَائِبِهِ ؛ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا أَجَابُوا مُكْرَهِينَ ، مُتَأَوِّلِينَ قَوْلَهُ تَعَالَى إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَقَدْ أَخْطَئُوا فِي ذَلِكَ خَطَأً كَبِيرًا فَأَرْسِلْهُمْ كُلَّهُمْ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ . فَاسْتَدْعَاهُمْ إِسْحَاقُ وَأَلْزَمَهُمْ بِالْمَسِيرِ إِلَى طَرَسُوسَ فَسَارُوا إِلَيْهَا ، فَلَمَّا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ بَلَغَهُمْ مَوْتُ الْمَأْمُونِ فَرُدُّوا إِلَى الرَّقَّةِ ثُمَّ أُذِنَ لَهُمْ فِي الرُّجُوعِ إِلَى بَغْدَادَ . وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَابْنُ نُوحٍ قَدْ سَبَقَا النَّاسَ ، وَلَكِنْ لَمْ يَجْتَمِعَا بِهِ حَتَّى مَاتَ ، وَاسْتَجَابَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ دُعَاءَ عَبْدِهِ وَوَلِيِّهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فَلَمْ يَجْتَمِعُوا بِالْمَأْمُونِ ، وَرُدُّوا إِلَى بَغْدَادَ وَسَيَأْتِي تَمَامُ مَا وَقَعَ مِنَ الْأَمْرِ الْفَظِيعِ فِي أَوَّلِ وِلَايَةِ الْمُعْتَصِمِ بْنِ الرَّشِيدِ ، وَتَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي تَرْجَمَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، عِنْدَ ذِكْرِ وَفَاتِهِ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ ، وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية