الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              جزء صفحة
                                                                                              صحيح مسلم 4368 [ 2281 ] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالْقَدُومِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (2 \ 322)، وَالْبُخَارِيُّ (3356)، وَمُسْلِمٌ (2370). المفهم وَ (قَوْلُهُ: " اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْقَدُومِ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً ") اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ فِي تَخْفِيفِ دَالِ الْقُدُومِ وَتَشْدِيدِهَا، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي مَعْنَاهَا. فَالَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ التَّخْفِيفُ، وَيَعْنِي بِهِ: آلَةَ النَّجَّارِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي آلَةِ النِّجَارَةِ. وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ مُشَدَّدًا. وَفَسَّرَهُ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: بِأَنَّهُ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ بِالشَّامِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بِالسَّرَاةِ ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ اللُّغَوِيِّ : قَدُّومٌ: الْمَكَانُ، مُشَدَّدٌ، مَعْرِفَةٌ، لَا تَدْخُلُهُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ، قَالَ: وَمَنْ رَوَاهُ فِي حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُخَفَّفًا فَإِنَّمَا يَعْنِي بِهَا الْآلَةَ الَّتِي يُنْجَرُ بِهَا، وَفِي الصِّحَاحِ: الْقَدُومُ: الَّذِي يُنْحَتُ بِهِ مُخَفَّفًا. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ : لَا تَقُلْ: قَدُّومٌ بِالتَّشْدِيدِ، وَالْجَمْعُ: قُدُمٌ. قَالَ الْأَعْشَى: أَقَامَ بِهِ شَاهَبُورُ الْجُنُو دَ حَوْلَيْنِ يَضْرِبُ فِيهِ الْقُدُمْ وَجَمْعُ الْقُدُمِ: قَدَائِمُ، مِثْلَ: قُلُصٍ وَقَلَائِصَ، وَالْقَدُومُ أَيْضًا: اسْمُ مَوْضِعٍ مُخَفَّفٌ. قُلْتُ: وَيَحْصُلُ مِنْ أَقْوَالِهِمْ: أَنَّ الْقَدُومَ إِذَا أُرِيدَ بِهِ الْآلَةُ فَهُوَ مُخَفَّفٌ، وَإِذَا أُرِيدَ بِهِ الْمَوْضِعُ فَفِيهِ التَّشْدِيدُ وَالتَّخْفِيفُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْقَدُومِ فِي الْحَدِيثِ: الْآلَةُ وَالْمَوْضِعُ. وَ (قَوْلُهُ: " وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً ") وَفِي غَيْرِ كِتَابِ مُسْلِمٍ : أَنَّهُ اخْتَتَنَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَعَاشَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَدْ جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَفِيهِ: اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً. ثُمَّ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِينَ سَنَةً. إِلَّا أَنَّ مَالِكًا وَمَنْ تَابَعَهُ وَقَفُوهُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ . قُلْتُ: قَدْ تَقَدَّمَ: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَوَّلُ مَنِ اخْتَتَنَ ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ تَزَلْ سُنَّةً عَامَّةً مَعْمُولًا بِهَا فِي ذُرِّيَّتِهِ وَأَهْلِ الْأَدْيَانِ الْمُنْتَمِينَ إِلَى دِينِهِ. وَهُوَ حُكْمُ التَّوْرَاةِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ كُلِّهِمْ، وَلَمْ تَزَلْ أَنْبِيَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَخْتَتِنُونَ حَتَّى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ غَيْرَ أَنَّ طَوَائِفَ مِنَ النَّصَارَى تَأَوَّلُوا مَا جَاءَ فِي التَّوْرَاةِ مِنْ ذَلِكَ، بِأَنَّ الْمَقْصُودَ زَوَالُ غُلْفَةِ الْقَلْبِ، لَا جِلْدَةِ الذَّكَرِ، فَتَرَكُوا الْمَشْرُوعَ مِنَ الْخِتَانِ بِضَرْبٍ مِنَ الْهَذَيَانِ، وَلَيْسَ هَذَا بِأَوَّلِ جَهَالَاتِهِمْ، فَكَمْ لَهُمْ مِنْهَا وَكَمْ ! وَيَكْفِيكَ مِنْ ذَلِكَ: أَنَّهُمْ زَادُوا عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فِي الْفَهْمِ، وَغَلَّطُوهُمْ فِيمَا عَمِلُوا عَلَيْهِ، وَقَضَوْا بِهِ مِنَ الْحُكْمِ. وَقَدْ أَسْبَغْنَا الْقَوْلَ فِي هَذَا فِي كِتَابِ " الْإِعْلَامِ ".

                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                              الخدمات العلمية