الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              جزء صفحة
                                                                                              صحيح مسلم 4367 (29) بَابٌ فِي ذِكْرِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ [ 2280 ] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ ( 3 \ 178 )، وَمُسْلِمٌ (2369)، وَأَبُو دَاوُدَ (4672)، وَالتِّرْمِذِيُّ (3349). المفهم (29) وَمِنْ بَابِ ذِكْرِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي قَالَ لَهُ: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ : " ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ " الْبَرِيَّةُ: الْخَلْقُ، وَتُهْمَزُ، وَلَا تُهْمَزُ، وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا، وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِقَاقِهَا، فَقِيلَ: هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْبَرَاءِ، وَهِيَ: التُّرَابُ. فَعَلَى هَذَا لَا يُهْمَزُ. وَقِيلَ: هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ بَرَأَ اللَّهُ الْخَلْقَ - بِالْهَمْزِ -، أَيْ: خَلَقَهُمْ، وَعَلَى هَذَا فَيُهْمَزُ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ هَذَا، وَتُسَهَّلُ هَمْزَتُهَا، كَمَا سَهَّلُوا هَمْزَةَ خَابِيَةٍ، وَهِيَ مِنْ: خَبَأَتْ مَهْمُوزًا. وَالْبَرِيَّةُ فِي الْوَجْهَيْنِ: فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ، وَقَدْ عَارَضَ هَذَا الْحَدِيثُ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ". وَمَا عُلِمَ مِنْ غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَقْوَالِ السَّلَفِ وَالْأُمَّةِ: أَنَّهُ أَفْضَلُ وَلَدِ آدَمَ، وَقَدِ انْفَصَلَ عَنْ هَذَا بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جِهَةِ التَّوَاضُعِ، وَتَرْكِ التَّطَاوُلِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، كَمَا قَالَ: " أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ عَلَى رَبِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ ". وَخُصُوصًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ، الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ آبَائِهِ وَأَشْرَفُهُمْ. وَثَانِيهِمَا: أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِمَنْزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ إِنَّهُ أُعْلِمَ بِأَنَّهُ أَكْرَمُ وَأَفْضَلُ، فَأَخْبَرَ بِهِ كَمَا أُمِرَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ يَسْأَلُ أَنْ يَبْلُغَ دَرَجَةَ إِبْرَاهِيمَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالرَّحْمَةِ، وَالْبَرَكَةِ، وَالْخُلَّةِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَخْبَرَنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَوْصَلَهُ إِلَى ذَلِكَ لَمَّا قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا " ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ زَادَهُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، فَشَرَّفَهُ، وَكَرَّمَهُ، وَفَضَّلَهُ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ، وَقَدْ أُورِدَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ اسْتِبْعَادٌ. قَالَ: رُدَّ عَلَى الْأَوَّلِ، أَنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ مِنَ الصَّادِقِ الْمَعْصُومِ أَنْ يُخْبِرَ عَنِ الشَّيْءِ بِخِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ لِأَجْلِ التَّوَاضُعِ وَالْأَدَبِ، وَالْوَارِدُ عَلَى الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ عَنْ أَمْرٍ وُجُودِيٍّ، وَالْأَخْبَارُ الْوُجُودِيَّةُ لَا يَدْخُلُهَا النَّسْخُ. وَالْجَوَابُ عَنْهُمَا: أَنْ يُقَالَ: إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إِخْبَارًا عَنِ الشَّيْءِ بِخِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ تَوَاضَعَ يَمْنَعُ إِطْلَاقَ ذَلِكَ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، وَتَأَدُّبٌ مَعَ أَبِيهِ بِإِضَافَةِ ذَلِكَ اللَّفْظِ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمَعْنَى، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا تُطْلِقُوا هَذَا اللَّفْظَ عَلَيَّ، وَأَطْلِقُوهُ عَلَى أَبِي إِبْرَاهِيمَ أَدَبًا مَعَهُ، وَاحْتِرَامًا لَهُ. وَلَوْ صَرَّحَ بِهَذَا لَكَانَ صَحِيحًا غَيْرَ مُسْتَبْعَدٍ، لَا عَقْلًا، وَلَا نَقْلًا، وَهَذَا كَمَا قَالَ: " لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى مُوسَى " أَيْ: لَا تَقُولُوا: مُحَمَّدٌ أَفْضَلُ مِنْ مُوسَى مَخَافَةَ أَنْ يُخَيَّلَ نَقْصٌ فِي الْمَفْضُولِ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَيَأْتِي. بِهَذَا أَظْهَرَ هَذَا اللَّفْظُ أَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى مَنْعِ إِطْلَاقِ لَفْظٍ وَإِبَاحَتِهِ، فَذَلِكَ خَبَرٌ عَنِ الْحَكَمِ الشَّرْعِيِّ، لَا عَنِ الْمَعْنَى الْوُجُودِيِّ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ جَازَ رَفْعُهُ، وَوَضْعُهُ، وَصَحَّ الْحُكْمُ بِهِ، وَنَسْخُهُ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْمَعْنَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. سَلَّمْنَا أَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ أَمْرٍ وُجُودِيٍّ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ وُجُودِيٍّ لَا يَتَبَدَّلُ، بَلْ: مِنْهَا مَا يَتَبَدَّلُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَبَدُّلِهِ تَنَاقُضٌ، وَلَا مُحَالٌ، وَلَا نَسْخٌ، كَالْإِخْبَارِ عَنِ الْأُمُورِ الْوَضْعِيَّةِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ مَعْنَى كَوْنِ الْإِنْسَانِ مُكَرَّمًا مُفَضَّلًا، إِنَّمَا ذَلِكَ بِحَسْبِ مَا يُكَرَّمُ بِهِ، وَيُفَضَّلُ عَلَى غَيْرِهِ، فَفِي وَقْتٍ يُكَرَّمُ بِمَا يُسَاوِي فِيهِ غَيْرَهُ، وَفِي وَقْتٍ يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ الْغَيْرِ، وَفِي وَقْتٍ يُكَرَّمُ بِشَيْءٍ لَمْ يُكَرَّمْ بِهِ أَحَدٌ، فَيُقَالُ: غَلَبَهُ فِي الْمَنْزِلَةِ الْأَوْلَى مُكَرَّمٌ مُقَرَّبٌ، وَفِي الثَّانِيَةِ مُفَضَّلٌ بِقَيْدٍ. وَفِي الثَّالِثَةِ، مُفَضَّلَ مُطْلَقًا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَنَاقُضٌ، وَلَا نَسْخٌ، وَلَا مُحَالٌ، وَهَذَا وَاضِحٌ وَحَسَنٌ جِدًّا فَاغْتَبِطْ عَلَيْهِ، وَشُدَّ عَلَيْهِ يَدًا.

                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                              الخدمات العلمية