الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              صفحة جزء
                                                                                              4789 [ 2575 ] وعن عمران بن حصين قال: قيل لرسول الله أعلم أهل الجنة من أهل النار؟ قال فقال: نعم . قال : ففيم يعمل العاملون؟ قال: كل ميسر لما خلق له" .

                                                                                              رواه أحمد ( 4 \ 431 )، والبخاري (6596)، ومسلم (2649) (9)، وأبو داود (4709).

                                                                                              التالي السابق


                                                                                              و (قول سراقة : بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن ) أي : بين لنا أصل ديننا ، أي : ما نعتقده وندين به من حال أعمالنا ، هل سبق بها قدر أم لا؟ وقوله : كأنا خلقنا الآن ، يعني أنهم غير عالمين بهذه المسألة ، فكأنهم خلقوا الآن بالنسبة إلى علمها ، وفائدته : استدعاء أوضح البيان .

                                                                                              و (قوله : فيم العمل اليوم ؟ ) أي : فيما جفت به الأقلام ، هكذا صحيح [ ص: 660 ] الرواية . (فيم) الأول بغير ألف ، لأنها استفهامية . والثانية : بألف ، لأنها خبرية . وقد وقع في بعض النسخ بالعكس ، والأول الصواب . ومقتضى هذا السؤال أن ما يصدر عنا من الأعمال ، وما يترتب عليها من الثواب والعقاب ، هل سبق علم الله تعالى بوقوعه ، فنفذت به مشيئته؟ أو ليس كذلك؟ وإنما أفعالنا صادرة عنا بقدرتنا ومشيئتنا ، والثواب والعقاب مرتب عليها بحسبها ؛ وهذا القسم الثاني هو مذهب القدرية ، وقد أبطل النبي صلى الله عليه وسلم هذا القسم بقوله : " لا ، بل فيما جفت به الأقلام ، وجرت به المقادير " . أي : ليس الأمر مستأنفا ، بل قد سبق به علم الله ، ونفذت به مشيئته ، وجفت به أقلام الكتبة في اللوح المحفوظ وفي صحف الملائكة المكتوبة في البطن ، بل قد نص على هذا في حديث عمران بن حصين المذكور بعد هذا . وأنص من هذا كله ما خرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان ، فقال للذي في يده اليمنى : " هذا كتاب من رب العالمين ، فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ، ثم أجمل على آخرهم ، فلا يزاد فيهم ، ولا ينقص منهم أبدا " . ثم قال للذي في يده اليسرى : " هذا كتاب من رب العالمين ، فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ، ثم أجمل على آخرهم ، فلا يزاد [ ص: 661 ] فيهم ، ولا ينقص منهم أبدا " . ثم رمى بهما ، وقال : " فرغ ربكم من العباد ، فريق في الجنة وفريق في السعير " . قال : هذا حديث حسن صحيح . والأحاديث في هذا الباب كثيرة صحيحة ، يفيد مجموعها العلم القطعي واليقين الحقيقي الاضطراري بإبطال مذاهب القدرية ، لكنهم كابروا في ذلك كله وردوه ، وتأولوا ذلك تأويلا فاسدا ، وموهوه للأصول التي ارتكبوها من التحسين والتقبيح والتعديل والتجويز ، والقول بتأثير القدرة الحادثة على جهة الاستقلال ، وقد تكلم أئمة أهل السنة معهم في هذه الأصول ، وبينوا فسادها في كتبهم

                                                                                              . و (قوله : فيم العمل ؟) هذا السؤال هو الأول الذي تضمنه قوله : أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل ؛ وقد بيناه .




                                                                                              الخدمات العلمية