( و ) يسن ( زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ) لخبر مسلم { من زار قبري وجبت له شفاعتي } ومفهومه أنها جائزة لغير زائره وخبر { من جاءني زائرا لم تنزعه حاجة إلا زيارتي كان حقا على الله أن أكون له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة } وخبر { من صلى علي عند قبري وكل الله به ملكا يبلغني وكفي أمر دنياه وآخرته وكنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة } فزيارة قبره صلى الله عليه وسلم من أهم القربات وإن لم يكن فعل نسكا لكنها متأكدة فيما أشار له بقوله ( بعد فراغ الحج ) إذ الغالب على الحجيج ورودهم من آفاق بعيدة ، فإذا قربوا من المدينة الشريفة يقبح تركهم الزيارة ، ولخبر { من حج ولم يزرني فقد جفاني } فهذا يدل على تأكدها للحاج أكثر من غيره ، وحكم المعتمر كالحاج في تأكدها له وتسن زيارة بيت المقدس وزيارة الخليل صلى الله عليه وسلم ولا تعلق لذلك بالحج . ويسن لمن قصد المدينة الشريفة لزيارة قبره صلى الله عليه وسلم أن يكثر في طريقه من الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم ويزيد فيها إذا أبصر أشجارها مثلا ويسأل الله أن ينفعه بهذه الزيارة ويتقبلها منه ، وأن يغتسل قبل دخوله كما مر ويلبس أنظف ثيابه ، فإذا دخل المسجد قصد الروضة وهي ما بين القبر والمنبر وصلى تحية المسجد [ ص: 320 ] بجنب المنبر وشكر الله تعالى بعد فراغهما على هذه النعمة ، ثم يأتي القبر الشريف فيستقبل رأسه ويستدبر القبلة ويبعد عنه نحو أربعة أذرع ويقف ناظرا إلى أسفل ما يستقبله في مقام الهيبة والإجلال فارغ القلب من علائق الدنيا ويسلم عليه صلى الله عليه وسلم لخبر { ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام } وأقل السلام عليه : السلام عليك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يرفع صوته تأدبا معه صلى الله عليه وسلم كما كان في حياته ، ثم يتأخر إلى صوب يمينه قدر ذراع فيسلم على أبي بكر رحمه الله تعالى فإن رأسه عند منكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم يتأخر قدر ذراع آخر فيسلم على عمر رحمه الله تعالى لما رواه البيهقي عن ابن عمر : أنه كان إذا قدم من سفره دخل المسجد ثم أتى القبر الشريف فقال : السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبتاه ، ثم يرجع إلى موقفه الأول قبالة وجهه صلى الله عليه وسلم ويتوسل به في حق نفسه وليستشفع به إلى ربه ، ثم يستقبل القبلة ويدعو لنفسه ولمن شاء من المسلمين ، وأن يأتي سائر المشاهد بالمدينة ، وهي نحو ثلاثين موضعا يعرفها أهل المدينة . ويسن زيارة البقيع وقباء ، وأن يأتي بئر أريس فيشرب منها ويتوضأ وكذلك بقية الآبار السبعة وقد نظمها بعضهم ، فقال :
أريس وغرس رومة وبضاعة كذا بصة قل بئر جامع العهن
وينبغي المحافظة على الصلاة في مسجده الذي كان في زمنه فالصلاة فيه بألف صلاة ، وليحذر من الطواف بقبره صلى الله عليه وسلم ومن الصلاة داخل الحجرة بقصد تعظيمه ويكره إلصاق الظهر والبطن بجدار القبر كراهة شديدة ومسحه باليد وتقبيله ، بل الأدب أن يبعد عنه كما لو كان بحضرته صلى الله عليه وسلم في حياته ويسن أن يصوم بالمدينة ما أمكنه ، وأن يتصدق على جيران رسول الله صلى الله عليه وسلم المقيمين والغرباء بما أمكنه ، وإذا أراد السفر استحب أن يودع المسجد بركعتين ، ويأتي القبر الشريف ويعيد السلام الأول ويقول : اللهم لا تجعله آخر العهد من حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويسر لي العود إلى الحرمين سبيلا سهلا وارزقني العفو [ ص: 321 ]والعافية في الدنيا والآخرة ، وردنا إلى أهلنا سالمين غانمين وينصرف تلقاء وجهه ولا يمشي القهقرى ، ولا يجوز لأحد استصحاب شيء من الأكر المعمولة من تراب الحرمين ولا من الأباريق والكيزان المعمولة من ذلك ومن البدع تقرب العوام بأكل التمر الصيحاني في الروضة .


