الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          ( استدراكان )

                          الاستدراك الأول : الخمر نوعان نوع يخمر تخميرا ، ونوع يقطر تقطيرا ، وأقوى الخمور سما وأشدها ضررا ما كانت مقطرة ، ويعبرون عنها بالأشربة الروحية وهذا من مرجحات اختيارنا لقول سيدنا عمر بن الخطاب في تعليل تسمية الخمر ، وأنه مخامرتها العقل ، وقد بينا جميع ما قيل في ذلك في تفسير آية البقرة ( ص257 وما بعدها ج2ط الهيئة ) والمرجح الثاني كون هذا القول لإمام من أفصح العرب الخلص ، وأما غيره فهو مما استنبطه المولدون من كلام العرب ، والثالث أن نقله أصح ، فهو مروي في الصحيح وكتب السنن كما تقدم . [ ص: 69 ] وقد استدل بعضهم على كون الخمر مما يعصر ، أي لا مما ينبذ ويقطر ، بقوله تعالى حكاية عن أحد صاحبييوسف صلى الله عليه وسلم في السجن ( إني أراني أعصر خمرا ) ( 12 : 36 ) وهو استدلال ضعيف وسخيف ، فإن اتخاذ الخمر من العصير لا ينافي اتخاذها من غيره ، وليس في العبارة ما يدل على الحصر ، دع ما يمكن أن يقال من أن هذا القول حكاية عن أعجمي في بيان رآه في نومه مما هو معهود في بلاده ، فليس بحجة في لغة العرب ولا صناعتهم وصناعة غيرهم للخمر ، وبالأولى لا يكون حجة في الشرع .

                          وقد اشتبه على بعض الناس ما طبخ من العصير قبل وصوله إلى حد الإسكار أو بعده ، هل يسمى خمرا أم لا ؟ كما اشتبه على الكثيرين أمر النبيذ ، من المطبوخ الطلاء وهو الدبس ، ويسمى المثلث إذ اشترطوا أن يغلي العصير حتى يبقى ثلثه ، ومنه الباذق وهو ما طبخ من عصير العنب أدنى طبخ حتى صار شديدا ، وهو اسم أعجمي ، وقيل : أول من صنعه وسماه بذلك بنو أمية وإنه مسكر ، وأظن أنه يكون قبل الطبخ مسكر فلا يزيل الطبخ القليل إسكاره ، أو يترك فيه الماء بعد طبخه فيختمر كما يختمر العسل ، وكذلك كانوا يفعلون بالدبس ، ولو جاء الإسكار من طريقة الطبخ لكان نوعا ثالثا من الخمر ، وفي صحيح البخاري أن ابن عباس سئل عن الباذق فقال : " سبق محمد صلى الله عليه وسلم الباذق فما أسكر فهو حرام " أي إن العبرة بما يسكر من الشراب ولا عبرة بالأسماء ، فالعسل حلال ولكنه يمزج بالماء ويترك حتى يختمر ويسكر فيصير خمرا وكل من عصر العنب ونبيذ الزبيب وغيره حلال ، فإذا اختمر وصار مسكرا حرم قطعا وسمي خمرا ، لا عصيرا ولا نبيذا ، ومتى علم أنه صار مسكرا حرم شرب قليله وكثيره لا قبل ذلك .

                          على أن من قال من أهل اللغة : " إن الخمر هو المسكر من عصير العنب " إطلاقا لما هو الغالب أو الأهم في عصر تدوين اللغة لم يمنعهم ذلك ولا تسميتهم لبعض الخمر من غيرها بأسماء أخرى أن يطلقوا اسم الخمر على جميع الأشربة المسكرة ، فهذا ابن سيده نقل ذلك الإطلاق في المخصص عن صاحب كتاب العين ، كما أشرنا إليه في موضعه ، وأطال في بيان أسماء الخمر بحسب صفاتها ، ثم عقد بابا للأنبذة التي تتخذ من التمر والحب والعسل قال فيه ما نصه :

                          " أبو حنيفة ( أي الدينوري اللغوي ) : فأما خمور الحبوب فما اتخذ من الحنطة فهو المزر ، وما اتخذ من الشعير فهو الجعة ، ومن الذرة السكركة والسقرقة عجمي ، أبو عبيد : الغبيراء السكركة إلى أن قال ابن دريد : البتع ضرب من شراب العسل ، وقد تقدم أنها الخمر بعينها " أشار إلى قوله في باب الخمر : " أبو علي عن العسكري : البتع : الخمر يمانية ، وقد بتعنا بتعا خمرنا خمرا ، البتاع الخمار " اه . [ ص: 70 ] ( فائدة لغوية ) ذكرنا فيما سبق من التفرقة بين الخمر والنبيذ أن أهل بلاد الشام يسمون النبيذ ، نقوعا " وأن الصواب أن يقال نقيع ، ثم رأيت في المخصص نقلا عن صاحب العين : النقوع والنقيع ( بفتح النون فيها ) شيء ينقع فيه الزبيب وغيره ثم يصفى ماؤه ويشرب .

                          ( الاستدراك الثاني ) يحتج القائلون بكون الخمر المحرمة بنص القرآن هي ما كان من عصير العنب بأنه هو القطعي المجمع عليه ، وغيره ظني مختلف فيه ، وهذه العبارة قد تذكر في كثير من كتب الفقه وشروح الحديث مسلمة من غير بحث ، وفيها أن أول من قال بهذا القول ( من الكوفيين ) لا حجة له فيه ، فإن أهل الإجماع الذين لا خلاف في إجماعهم هم الصحابة رضوان الله عليهم ، وهم لم يختلفوا في تحريم ما كان عندهم من خمر البسر والتمر والحنطة والشعير وغيرها ، وقد خطب عمر على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحضرة كبار علماء الصحابة وجمهورهم فقال : " أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير ، والخمر ما خامر العقل " فصرح بأن الخمر كانت من هذه الخمسة عندهم ، وأن مراد الشرع تحريم ما كان من غيرها أيضا ، وأن حقيقة الخمر ما خامر العقل ، أي خالطه فأفسد عليه إدراكه وحكمه ، ومنه الداء المخامر ، ومن قال : خامره غطاه; فقد راعى أصل معنى خمر الشيء والمراد واحد ، والحديث متفق عليه ، ولم يقل إن أحدا من الصحابة أنكر على عمر قوله هذا ، ولذلك قال من قال من أهل الحديث والأصول : إن هذا القول له حكم الحديث المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم من حيث هو تفسير لحكم شرعي لا يقوله الصحابي برأيه ، فإن قال قائل : إنه يمكن أن يقوله باعتبار فهمه للقرآن والسنة ، قلنا : إذا كان هذا ما فهمه هذا الإمام في اللغة والدين ووافقه عليه جمهور الصحابة ولم ينقل عن أحد أنه خالفه فيه فهل يمكن أن نجد لنص شرعي تفسيرا أصح وأقوى من تفسير يصرح به أمير المؤمنين على منبر الرسول ويوافقه عليه علماء الصحابة وعامتهم ؟ وهل نقل عن الصحابة إجماع مستند أى دليله أقوى من هذا الإجماع ؟ فظهر بهذا أن كون كل شراب من شأنه الإسكار خمرا ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة المقرين بدليله وبالقياس ، فإن قيل : إن هذا من الإجماع السكوتي المختلف فيه قلنا : إنه ليس منه إذ السكوتي عبارة عن قول مجتهدي عصره فلا ينقل عنهم موافقة له ولا إنكار وإن إقرار جمهور الصحابة لقول عمر في حكم الموافقة القولية ، وقوله على المنبر جدير بأن ينقل ويشيع ، وأن يراجعه فيه البعيد إذا بلغه كالقريب ، ولو راجعه أحد في ذلك لعاد إلى ذكر المسألة على المنبر كما فعل عند ما أنكرت عليه المرأة ما كان أراده من الأمر بتحديد المهر ، ثم إن إجماعهم العملي على ترك جميع المسكرات منذ نزلت الآية يؤيد ذلك وإذا لم يكن مثل هذا إجماعا فلا سبيل إلى ثبات إجماع قولي قط .

                          [ ص: 71 ] فالحاصل : أن أول من قال بهذا القول في الخمر لا حجة له فيه ، بل هو من جعل الدليل عين المدلول ، فإنه هو المخالف وحده ، فكيف تكون دعواه الخلاف حجة لخلافه ؟ هذه مصادرة بديهية ، نعم يصح أن يقال : إن هذه شبهة عرضت لمن لم يبلغه النقل عن الصحابة ، فهو معذور فيها إلى أن يبلغه النقل ، فمتى بلغه زالت الشبهة بالحجة .

                          وأما من جاء بعد المخالف الأول وبلغه خلافه فشبهته أقوى عند أهل التقليد ، وهؤلاء ليسوا من أهل الحجة والبصيرة في الدين ، فالكلام معهم لغو ما لم يحكموا الدليل ويرضوا بحكم قوله تعالى : ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ) ( 4 : 59 ) الآية ، فإن رضوا به بينا لهم ما صح من فهم الصحابة لقوله تعالى وعملهم به بغير خلاف ، وما صح من قول رسوله : " كل مسكر خمر " ولفظ المسكر اسم جنس .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية