الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          [ ص: 133 ] ( ملخص ما حققه ابن القيم في الرأي والقياس ) .

                          عقد في أول كتابه ( إعلام الموقعين عن رب العالمين ) فصلا في تحريم الإفتاء في دين الله بالرأي المخالف للنصوص ، صدره بآيات أولها قوله تعالى : ( فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) ( 28 : 50 ) قال : فقسم الأمر إلى أمرين لا ثالث لهما إما الاستجابة لله والرسول وما جاء به ، وإما اتباع الهوى ، فكل ما لم يأت به الرسول فهو من الهوى ، وقفى على الآيات بطائفة من الأحاديث أولها حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا واللفظ للبخاري : " إن الله لا ينزع العلم بعد إذ أعطاكموه انتزاعا ، ولكن ينزعه مع قبض العلماء بعلمهم ، فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون " وحديث عوف بن مالك الأشجعي : " تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة ، أعظمها فتنة قوم يقيسون الدين برأيهم يحرمون به ما أحل الله ويحلون ما حرم الله " رواه الحافظ ابن عبد البر وغيره .

                          ثم أورد فصلا بل فصلين فيما روي عن علماء الصحابة كالخلفاء الأربعة والعبادلة وغيرهم في ذم الرأي ومنها قول عمر : " إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن ، أعيتهم الأحاديث أن يعوها ، وتفلتت منهم أن يحفظوها . فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا " وللأثر ألفاظ أخرى ، قال المصنف : وأسانيد هذه الآثار عن عمر في غاية الصحة .

                          ثم عقد فصلا آخر ذكر فيه ما احتج به أهل الرأي من إفتاء بعض هؤلاء الصحابة ومن بعدهم من التابعين وقضائهم بالرأي ، كقول عمر لكاتبه : " قل : هذا ما رأى عمربن الخطاب " وقول عثمان في الأمر بإفراد العمرة عن الحج : " إنما هو رأي رأيته " وقول علي في أمهات الأولاد : " اتفق رأيي ورأي عمر على ألا يبعن " وما نقل عن أبي بكر وعمر من القول والعمل على القضاء بكتاب الله إن وجد فيه الحكم وإلا فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن لم يوجد فيهما ما يقضى به ، جمعوا له الناس أو رؤساء الناس ، وفي رواية : علماء الناس وكلاهما صواب فقد كان الرؤساء علماء واستشاروهم ، وكان يكون القضاء بما يجتمع رأيهم عليه . وكان القراء أصحاب مشورة عمر ، وكان وقافا عند كتاب الله تعالى .

                          ومنه ما في كتاب عمر إلى شريح : " إذا وجدت شيئا في كتاب الله فاقض به ولا تلتفت إلى غيره ، وإن أتاك شيء ليس في كتاب الله فاقض بما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن أتاك ما ليس في كتاب الله ولم يسن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقض بما أجمع عليه الناس ، وإن أتاك ما ليس في كتاب الله ولم يسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتكلم فيه أحد قبلك فإن شئت أن تجتهد رأيك فتقدم ، وإن شئت أن تتأخر فتأخر ، وما أرى التأخر إلا خيرا لك " وفي رواية لابن جرير الاقتصار على أمره بأن يجتهد رأيه عند عدم [ ص: 134 ] النص . وعن ابن مسعود كلام بمعنى هذا ، إلا أنه قال في الحالة الثالثة لمن عرض عليه القضاء : " فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه صلى الله عليه وسلم فليقض بما قضى به الصالحون " وقال في الحالة الرابعة : " فليجتهد رأيه ولا يقل إني أرى وإني أخاف ، فإن الحلال بين والحرام بين ، وبين ذلك مشتبهات فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك " اهـ .

                          ومراد ابن مسعود بالصالحين هو عين مراد عمر بما أجمع عليه الناس في كتابه إلى شريح ، كالذين كان يستشيرهم رضي الله عنه .

                          أقول : هذا زبدة ما ورد في هذا الفصل وغيره بمعناه . وكله يتعلق بأمر القضاء إلا رأي عثمان في إفراد العمرة عن الحج ، فإنه في مسألة دينية ، وهو شاذ ولا حجة في مثل هذا بقول صحابي ، وهو لم يأمر أحدا بالعمل به ، بل تركه إلى الناس وهم مخيرون فيه شرعا . وأما القضاء بما ذكر من المراتب الأربع فهو ليس برأي صحابي واحد ، وإنما تلك سنتهم التي جروا عليها ، واهتدى بهم فيها سائر المسلمين فكانت إجماعا صحيحا . ولكن المتأخرين تركوا جمع العلماء لاستشارتهم فيما لا نص فيه ، اكتفاء بتقليد مذاهبهم . ولا حجة في هذه الطريقة ولا في أقوالهم فيها على جواز استخراج أحكام لم يرد فيها قرآن ولا سنة في العبادات والحلال والحرام ، كما فعل المؤلفون في الفقه ، وإنما الاجتهاد والرأي في الأقضية التي تحدث للناس في معاملاتهم وما في معناها من أمور السياسة ، وهي التي فوض الله أمرها إلى أولي الأمر بشرطه .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية