الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          ( بحث في التزام النصوص في العبادات ، واعتبار المصالح في المعاملات ) .

                          تمهيد في مذهب مالك في ذلك :

                          كان الإمام مالك بن أنس من أشد علماء السلف تشديدا في اتباع السنة ، وتدقيقا في إنكار البدع والمحدثات في الدين ، حتى إنه أنكر على عبد الرحمن بن مهدي - وناهيك بعلمه وهديه - وضع ردائه في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم من الحر والصلاة عليه . وأنكر على من استشاره في الإحرام من مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم من عند قبره ونهاه عن ذلك وأمره بالإحرام من الميقات ، فلما ألح الرجل قال له : " لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة " فقال الرجل : وأي فتنة في هذا ؟ إنما هي أميال أزيدها . قال : وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك قد سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ إني سمعت الله يقول : ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) ( 24 : 63 ) ومن أجل كلامه رضي الله عنه : من أحدث في هذه الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خان الدين وفي رواية : الرسالة ؛ لأن الله يقول : ( اليوم أكملت لكم دينكم ) فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا اهـ .

                          نقل ذلك العلامة الشاطبي في عدة مواضع من كتاب الاعتصام ( ص : 167 ج1 و198 ج2 ) وقال في ص : 310 من الجزء الثالث منه في مثل هذا المقام : ولذلك التزم مالك في العبادات عدم الالتفات إلى المعاني وإن ظهرت لبادي الرأي ، وقوفا مع ما فهم من مقصود الشارع فيها من التسليم على ما هي عليه ، فلم يلتفت في إزالة الأخباث ورفع الأحداث إلى مطلق النظافة التي اعتبرها غيره حتى اشترط في رفع الأحداث النية ، ولم يقم غير الماء مقامه عنده وإن حصلت النظافة حتى يكون بالماء المطلق ، وامتنع من إقامة التكبير [ ص: 161 ] والتسليم والقراءة بالعربية مقامها في التحريم والتحليل والإجزاء ومنع من إخراج القيم في الزكاة ، واقتصر في الكفارات على مراعاة العدد وما أشبه ذلك .

                          " ودورانه في ذلك كله على ما حده الشارع دون ما يقتضيه معنى مناسب أن تصور لقلة ذلك في التعبدات وندوره ، بخلاف قسم العادات الذي هو جار على المعنى المناسب الظاهر للعقول . فإنه استرسل فيه استرسال المدل العريق في فهم المعاني المصلحية ، نعم مع مراعاة مقصود الشارع ألا يخرج عنه ، ولا يناقض أصلا من أصوله اهـ .

                          ( أقول ) : إن العلامة الشاطبي قد حرر بحث البدع وأطال في التنفير عنها والحث على التزام السنة في كتابه ( الاعتصام ) بما لم يسبق إلى مثله - بحسب علمه وعلمنا - سابق ، ولم يلحقه فيه على ما وصل إليه علمنا لاحق ، ومن ذلك أنه فرق بين البدع وبين المصالح المرسلة تفرقة واضحة بينة ، وأثبت أن مالكا كان يقول بها على تشدده في نصر السنة ، ومبالغته في مقاومة البدع ، حتى قال أحمد بن حنبل فيه : إذا رأيت الرجل يبغض مالكا فاعلم أنه مبتدع ، وقال عبد الرحمن بن مهدي : إذا رأيت الحجازي يحب مالك بن أنس فاعلم أنه صاحب سنة .

                          المشهور أن القول بالمصالح المرسلة مذهب مالك وأن الجمهور على خلافه . وليس هذا القول صحيحا على إطلاقه ، فإن بعض علماء الأصول جعل القول بها من مسالك العلة للقياس ، فأدخلوها فيما يسمونه المناسبة أو المعنى المناسب . وعدها بعضهم من أنواع الاستدلال لا من أصول الأحكام ، فالأكثرون يقولون بها ، ولكن يختلفون في اسمها . قال ابن دقيق العيد : الذي لا شك فيه أن لمالك ترجيحا على غيره من الفقهاء في هذا النوع ، ويليه أحمد بن حنبل ، ولا يكاد يخلو غيرهما عن اعتباره في الجملة ، ولكن لهذين ترجيحا في الاستعمال لها على غيرهما ، وقال القرافي : هي عند التحقيق في جميع المذاهب; لأنهم يقومون ويقعدون بالمناسبة ، ولا يطلبون شاهدا بالاعتبار ، ولا نعني بالمصلحة المرسلة إلا ذلك . قال إمام الحرمين : ذهب الشافعي ومعظم أصحاب أبي حنيفة إلى تعلق الأحكام بالمصالح المرسلة بشرط الملاءمة للمصالح المعتبرة المشهود لها بالأصول .

                          وقد قسم علماء الأصول المناسب إلى ما علم اعتبار الشرع له ، وما علم إلغاؤه له ، وما لا يعلم اعتباره ولا إلغاؤه له ، وهو الذي لا يشهد له أصل معين بالاعتبار ، بل يؤخذ من مقاصد الشرع العامة ، فيعد من وسائلها وهذا القسم هو الذي يسمونه بالمصالح [ ص: 162 ] المرسلة . ذكر ذلك كله الشوكاني في إرشاد الفحول ، وقال : وقد اشتهر انفراد المالكية بالقول به . قال الزركشي : وليس كذلك ، فإن العلماء في جميع المذاهب يكتفون بمطلق المناسبة . ولا معنى للمصلحة المرسلة إلا ذلك اهـ .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية