الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                النوع الثاني : إتيان المساجد ، ففي ( الكتاب ) : القائل : علي إتيان المدينة أو بيت المقدس أو المشي إليهما ، فلا يأتيهما حتى ينوي الصلاة في مسجديهما أو ينوي فيهما ، أو يسميهما لتعيين القربة أو ما يلازمها ، وإن لم ينو الصلاة فيهما أتاهما راكبا ولا هدي عليه ، ولو نذر الصلاة في غيرهما من المساجد صلى بموضعه ، وقاله ( ش ) وابن حنبل . قال اللخمي : قال ابن وهب : عليه أن يأتي مسجد المقدس والمدينة ماشيا ، وقال محمد : إن قرب مشى ، وقال القاضي إسماعيل : ناذر الصلاة في المسجد الحرام لا يلزمه المشي . قال : والمشي في ذلك كله أحسن ; لأن المشي في القرب قربة ، ومقتضى أصل مالك : يأتي المكي المدينة لأنها أفضل ، فإتيانها من مكة قربة بخلاف الإتيان من المدينة إليها ، وقدم ( ش ) وابن حنبل المسجد الحرام [ ص: 85 ] عليها ، فإن قال : علي المشي ، ولم يذكر مسجدا ، فلا شيء عليه عند ابن القاسم ، وعند أشهب عليه المشي إلى مكة . قال ابن يونس : يمشي إلى غير الثلاثة إن كان قريبا كالأميال الثلاثة اليسيرة ماشيا ، ويصلي فيه . قال ابن حبيب : إن كان بموضعه مسجد جمعة لزمه المشي إليه ، وقاله مالك وبه أفتى ابن عباس في مسجد قباء ، وهو من المدينة على ثلاثة أميال ، وفي ( الجواهر ) : الناذر المكي أو المدني الصلاة في بيت المقدس يصلي في مسجد موضعه ; لأنه أفضل ، والمقدسي يمشي إليهما ، والمدني إلى مكة ، والمكي إلى المدينة للخروج من الخلاف ، وأصل هذا الباب قوله - عليه السلام - : ( لا تعمل المطي إلا لثلاثة مساجد ) فذكر مسجده - عليه السلام - ومسجد إيليا والمسجد الحرام ، فاقتضى ذلك عدم لزوم المشي إلى غيرها ، فإن كل ما وجب المشي إليه وجب إعمال الركاب إليه ، وإلا فلا .

                                                                                                                قاعدة : النذر عندنا لا يؤثر إلا في مندوب ، فما لا رجحان في فعله في نظر الشرع لا يؤثر فيه ، وسائر المساجد مستوية من جهة أنها بيوت التقرب إلى الله تعالى بالصلاة ، فلا يجب الإتيان إلى شيء منها لعدم الرجحان ، ويختلج في نفس الفقيه أن المساجد أفضل من غيرها إجماعا ، وبعضها أفضل من بعض باعتبار كثرة طاعة الله فيها إما لقدم هجرته أو لكثرة جماعته ، أو لغير ذلك من أسباب التفضيل ، ومقتضى ذلك وجوب الصلاة فيها بالنذر لأجل الرجحان في نظر الشرع ، ويندفع هذا الإشكال بأن القاعدة الشرعية : أن الفعل قد يكون راجحا في نفسه ولا يكون ضمه لغيره أو ضم غيره له راجحا ، وقد يكون ، فمن الأول : الصلاة والحج راجحان ، وليس ضمهما راجحا في نظر الشرع ، وكذلك الصوم والزكاة ، بل قد يكون الفعلان راجحين وضمهما مرجوحا كالصوم ووقوف عرفة ، والتنفل وصلاة العيد في المصلى ، والركوع وقراءة القرآن ، والدعاء وبعض أجزاء الصلاة ، ومما [ ص: 86 ] رجح منفردا ومضموما الصوم والاعتكاف والتسبيح والركوع ، ونحو ذلك ، فاعتقاد رجحان المساجد على غيرها أو رجحان بعضها على بعض لا يوجب اعتقاد رجحان ضم الصلاة إليها ; لأن اعتقاد الرجحان الشرعي يتوقف على مدرك شرعي بتوقيف على مدرك شرعي ، ولم يرد ، بل ورد الحديث المتقدم بعد ذلك .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية