الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                المدرك السابع : تنزيل بعض المحلوف عليه منزلة كله في سياق البر دون الحنث ، وله ثلاث صور ، إحداها : أن يكون المسمى واحدا ، ونحو : والله لا أكلت هذا الرغيف ، ومع العطف نحو : لا كلمت زيدا ولا عمرا . أو التثنية والجمع نحو : لا كلمت الرجلين ، أو الرجال ، وخالفنا الأئمة في الجميع ; لأنه حلف على اجتناب مدلول اللفظ ، فإذا ترك بعضه ، فقد وافق مقتضاه ; لأنه يكفي في نفي كل مركب نفي أحد أجزائه ، وإذا كان موافقا كان بارا ، فلا يحنث ، وهو متجه لأصحاب مالك ، الأول : طريقة الفرض والبناء ، وهي أن تقول في صورة العطف : لو قال : لا كلمت زيدا ، ولا عمرا حنث بأحدهما اتفاقا ، واتفق أئمة اللغة على أن ( لا ) في العطف للتأكيد ، والتأكيد لا يزيد على حكم الأصل شيئا ، فكما يحنث مع ( لا ) يحنث مع عدمها ، وإذا ثبت الحكم في هذه الصورة عم جميع الصور ; لأنه لا قائل بالفرق ، ويرد عليه أن الخصم يمكنه فرض الكلام في الحقيقة الواحدة بالرغيف مثلا ، وبين حصول موافقة اليمين بتركه لجزئه كما تقدم ، ثم نقول : لا قائل بالفرق ، فينعكس المسلك بعينه للخصم . الثاني : أن القاعدة الشرعية أن الانتقال من الحل إلى الحرمة يكفي فيه أدنى سبب ، ومن الحرمة إلى الحل بالعكس ; لأن العقد على الأجنبية مباح ، فتذهب هذه الإباحة بعقد الأب عليها من غير وطء ، والمبتوتة لا [ ص: 41 ] تذهب حرمتها إلا بعقد المحلل ووطئه ، وعقد الأول عليه ، والمسلم محرم الدم لا تذهب هذه الحرمة إلا بالردة ونحوها ، فإذا أبيح دمه يحرم بالتوبة ، وهي أيسر من الردة ، والقتل ، والزنا ، والحرابة ، والأجنبية لا يزول تحريم وطئها إلا بالعقد المتوقف عليها ، وعلى الولي والزوج ، وإباحتها بعد العقد يكفي فيه الطلاق الذي يستقل الزوج به ، وذلك كثير في الشرع ، وكذلك الخروج إلى الحنث يكفي فيه أدنى سبب ، والخروج منه إلى البر يشترط فيه سبب أقوى ، وهو فعل الجميع ، ويرد عليه : أنكم إن ادعيتموها كلية ، فمعناها لاندراج صورة النزاع فيها ، ولأن الدعوى الكلية لا تثبت بالمثل الجزئية ، وإن ادعيتموها جزئية ، فتحتاجون إلى دليل آخر يوجب كون صورة النزاع كذلك ، فإن كان القياس فأين الجامع المناسب لخصوص الحكم السالم عن الفارق ؟ أو غير القياس ، فبينوه . الثالث : إذا حلف ليفعلن ، فهو كالإبراء أو لا يفعل ، فهو كالنهي ، والنهي عن الشيء نهي عن أجزائه ، فيكون فاعل الجزء مخالفا ، والمخالف حانث ، ويرد عليه أن هذه القضية بالعكس ، بل الأمر بالشيء أمر بأجزائه كإيجاب أربع ركعات ، والنهي عن الشيء ليس نهيا عن أجزائه كالنهي عن خمس ركعات ، فعم النهي عن الشيء نهي عن جزء ، فإنه كالنهي عن مفهوم الخنزير ، وهو نهي عن الخنزير الطويل والقصير ، وهذا وذلك ، والأمر بالشيء ليس أمرا بجزئياته كالأمر بإعتاق رقبة ليس أمرا بإعتاق هذه وتلك ، فيثبت ما بين حكم الأجزاء والجزئيات ، فلا يغتر بذلك .

                                                                                                                واعلم أنه لا فرق عندنا بين جزء المحلوف عليه ، وجزء الشرط في أن كل واحد منهما يقوم مقام كله مع أنه قد وقع في ( الكتاب ) مسألتان متناقضتان في كتاب ( العتق ) إحداهما : قوله لأمته : لئن دخلت هاتين الدارين ، فأنت حرة ، فدخلت إحداهما عتقت ، والأخرى قوله لأمتيه ، أو زوجتيه إن دخلتما ، فأنتما حرتان ، أو طالقتان [ ص: 42 ] فدخلت إحداهما لم تعتق واحدة منهما ، وفي الصورتين وجد جزء الشرط مع أن أبا الطاهر نقل في الأخيرة ثلاثة أقوال : يعتقان ، لا يعتقان ، تعتق الداخلة فقط ، وفي ( الجلاب ) قول بعدم التحنيث تحرير المحلوف عليه كقول الأئمة ، وإنما الإشكال على ظاهر ( المدونة ) .

                                                                                                                قال صاحب ( البيان ) : القائل : إن رزقت ثلاثة دنانير صمت ثلاثة أيام ، فرزق اثنين ، فصام ثلاثة أيام ، ثم رزق الثالث قال ابن القاسم : يستأنف الصيام ; لأن الشرط الآن تحقق ، وقول القائل : إن قضى الله عني ثلاثة دنانير صمت ثلاثة أيام ، فقضى الله عنه نصفها ، وصام ما ذكر ، ثم قضى الباقي أجزأه ما تقدم ، وكان يضعفه . قال : والقياس : الأول ، إلا أنه لاحظ خفة ثقل الدين ، وهو المقصود ، وقيل : يصوم بقدر ما قضى عليه ، فتحصل ثلاثة أقوال ، وهذا أيضا على خلاف القاعدة . قال أبو الطاهر : الحالف بطلاق امرأته إن وضعت ما في بطنها ، فوضعت ولدا ، وبقي آخر يحنث على المشهور ، وقيل : لا يحنث ، وإن علق الطلاق على الوطء حنث بمغيب الحشفة ، وقيل : على الإنزال ، وإن ألحق باليمين غير المحلوف عليه قصدا للإلحاق لزم في اليمين ، وإلا فلا ، وهذا يمشي على أن القاعدة بخلاف ما أشار إليه صاحب ( البيان ) إلا أن يكون ذلك لخصوص عدد الثلاث ، والله تعالى أعلم ، وفي ( البيان ) : إن حلف : لا يشهد حياته ، ولا مماته ، فشهد جنازة ابنه حنث قال : لأن الحنث يقع بأدنى الرجوع .

                                                                                                                تفريع

                                                                                                                قال اللخمي : قال محمد : إذا قال : لا أكلت هذا الرغيف كله حنث ببعضه ، ولا ينفعه قوله : كله ; لأنه تأكيد ، فلا يزيد على حكم الأصل ، وخالف [ ص: 43 ] ابن سحنون ، وقال أبو الطاهر : بل التصريح بالكل يرفع الخلاف كما أن التصريح بالبعض يرفع الخلاف .

                                                                                                                وفي ( الكتاب ) : الحالف : لا أجامعكن حنث بوطء واحدة . قال صاحب ( البيان ) : الحالف : لا يتزوج يحنث بالعقد دون الدخول ، وإذا حلف لا يركب دابة فلان إن استوى بجسده عليها يحنث اتفاقا ، وإن لم يقعد على السرج ، وإن عمل رجله في الركاب واستقل وهو متعلق ، ولم يضع رجله من الجهة الأخرى ، لا يحنث اتفاقا ، وإن وضع رجله من الجهة الأخرى ولم يستو بجسده ، فقولان : الحنث ونفيه كالقولين فيما إذا حلف لا يدخل الدار ، فدخل برجله .

                                                                                                                ( فرع ) : قال : ولو قال : أنت طالق إن أعطيتني الوديعة ، فأعطته عشرة ، فادعى أن الوديعة عشرون طلقت في القضاء دون الفتيا ; لأن غرضه الذي طلق لأجله لم يتم كمن قال : أنت طالق إن أعطيتني عشرة ، فأعطته خمسة .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية