الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                فإذا أوصى لرجل بثلث ماله ، ولآخر بغلة داره وقيمة الدار ألف درهم ، وله ألفا درهم سوى ذلك فلصاحب الغلة نصف غلة الدار ، ولصاحب الثلث نصف الثلث فيما بقي من المال ، والدار ، خمس ذلك في الدار ، وأربعة أخماسه في المال .

                                                                                                                                ( ووجه ) ذلك : أن يقول : إن الوصية بثلث المال وصية بثلث الغلة أيضا ; لأن الغلة مال الميت يقضى منه ديونه ، وإذا كان كذلك فالدار تخرج من ثلث ماله ; لأن قيمة الدار ألف درهم ، وله ألفا درهم سوى ذلك ، فقد اجتمع في الدار وصيتان : وصية بجميعها ، ووصية بثلثها ، فيجعل الدار على ثلاثة ، ويقسم بينهما على طريق المنازعة وصاحب الثلث لا يدعي أكثر من الثلث ، وهو سهم واحد ، والثلثان سهمان لصاحب الغلة ، وهو صاحب الجميع بلا منازعة ; لأن الوصية بالغلة وصية بجميع الدار على ما ذكرنا أنه يحبس جميع الدار لأجله .

                                                                                                                                واستوت منازعتهما في سهم واحد .

                                                                                                                                وكان بينهما ، فانكسر على سهمين ، فاضرب سهمين في ثلاثة ، فيصير ستة فصاحب الثلث لا يدعي أكثر من سهمين ، وأربعة أسهم خلت عن دعواه ، وسلمت لصاحب الجميع ، وهو صاحب الغلة بلا منازعة ، واستوت منازعتهما في سهمين ، فيقسم بينهما لكل واحد منهما سهم .

                                                                                                                                وإذا صارت الدار ، وهي الثلث على ستة ، والألفان اثنا عشر فلصاحب الثلث من ذلك الثلث أربعة أسهم فضمها إلى ستة تصير سهام الوصايا عشرة ، وجملة ذلك ثلاثون ، فنقول : ثلث المال عشرة ، فنقسمها بينهم لصاحب الغلة خمسة أسهم كلها في الدار [ ص: 391 ] ولصاحب الثلث خمسة أسهم : أربعة أسهم في الألفين ، وسهم في الدار ، فهذا معنى قوله في الأصل لصاحب الغلة نصف غلة الدار ، وذلك خمسة ; لأنا جعلنا الدار على عشرة .

                                                                                                                                ولصاحب الثلث نصف الثلث خمسة : أربعة أخماسه في المال ، وخمس ذلك في الدار ، وهذا قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وعلى قولهما تقسم الدار على طريق العول ، فصاحب الجميع يضرب بالجميع ، وصاحب الثلث يضرب بالثلث ، ومخرج الثلث ثلاثة فصاحب الجميع يضرب بالجميع ثلاثة وصاحب الثلث يضرب بسهم ، فاجعل الدار على أربعة أسهم .

                                                                                                                                وإذا صارت الدار على أربعة أسهم مع العول صار كل ألف من الألفين على ثلاثة من غير عول فالألفان تصير ستة أسهم ، فللموصى له بالثلث ثلث ذلك ، وذلك سهمان ضم ذلك إلى أربعة أسهم ، فيصير ستة فاجعل هذا ثلث المال ، والثلثان اثنا عشر ، والجميع ثمانية عشر ، فللموصى له بثلث المال ثلث الألفين ، وذلك أربعة أسهم من اثني عشر ، وذلك ثلثا الثلث ; لأنا جعلنا الثلث على ستة أسهم ، وأربعة أسهم من ستة ثلثاه ، وهذا معنى قوله في الأصل : وإن شئت قلت : ثلثا ذلك في ثلث المال .

                                                                                                                                وقال أيضا : ثلاثة في الدار ; لأنك جعلت الدار على ثلاثة قبل العول وللموصى له بالثلث سهم من الدار وذلك ثلث الدار ، فإن مات صاحب الغلة فلصاحب الثلث ثلث الدار ، والمال ; لأنه لما مات الموصى له بالغلة بطلت وصيته ، وصار كأنه لم يوص له بشيء ، وإنما أوصى لصاحب الثلث بثلث المال ، والدار ، فيكون له ذلك .

                                                                                                                                وإن استحقت الدار بطلت وصية صاحب الغلة ، وأخذ صاحب الثلث ثلث المال ; لأنه لا يملك استغلالها بعد استحقاقها ولو لم يستحق ولكنها انهدمت قيل لصاحب الغلة : ابن نصيبك فيها ، ويبني صاحب الثلث نصيبه ، والورثة نصيبهم ; لأن ذلك مشترك بينهم ، فيبني كل واحد نصيبه ، وأيهم أبى أن يبني لم يجبر على ذلك ; لأن الإنسان لا يجبر على إصلاح حقه ، ولم يمنع الآخر أن يبني نصيبه من ذلك ، ويؤاجره ، ويسكنه ; لأن الذي امتنع من البناء رضي ببطلان حقه ، فلا يوجب ذلك بطلان حق صاحبه ، وليس هذا كالسفل إذا كان لرجل ، وعلوه لآخر ، فانهدما ، وأبى صاحب السفل أن يبني سفله إنه يقال لصاحب العلو : ابن سفله من مالك ثم ابن علية العلو ، فإذا أراد صاحب السفل أن ينتفع بالسفل ، فامنعه حتى يدفع إليك قيمة السفل ; لأن هناك لا يمكن بناء العلو إلا بعد بناء السفل ، فكان لصاحب العلو أن يبني سفله حتى يمكنه بناء العلو عليه ، فأما ههنا ، فيمكن أن يقسم عرصة الدار ، فيبني كل واحد منهم في نصيبه .

                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                الخدمات العلمية