الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ياأيها الذين آمنوا ) : هذا أول خطاب خوطب به المؤمنون في هذه السورة ، بالنداء الدال على الإقبال عليهم ، وذلك أن أول نداء جاء أتى عاما : ( ياأيها الناس اعبدوا ربكم ) ، وثاني نداء أتى خاصا : ( يابني إسرائيل اذكروا ) ، وهي الطائفة العظيمة التي اشتملت على الملتين : اليهودية والنصرانية ، وثالث نداء لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - المؤمنين . فكان أول نداء عاما ، أمروا فيه بأصل الإسلام ، وهو عبادة الله . وثاني نداء ذكروا فيه بالنعم الجزيلة ، وتعبدوا بالتكاليف الجليلة ، وخوفوا من حلول النقم الوبيلة ، وثالث نداء : علموا فيه أدبا من آداب الشريعة مع نبيهم ، إذ قد حصلت لهم عبادة الله ، والتذكير بالنعم ، والتخويف من النقم ، والاتعاظ بمن سبق من الأمم ، فلم يبق إلا ما أمروا به على سبيل التكميل ، من تعظيم من كانت هدايتهم على يديه . والتبجيل والخطاب بيا أيها الذين آمنوا متوجه إلى من بالمدينة من المؤمنين ، قيل : ويحتمل أن يكون إلى كل مؤمن في عصره . وروي عن ابن عباس : أنه حيث جاء هذا الخطاب ، فالمراد به أهل المدينة ، وحيث ورد يا أيها الناس ، فالمراد أهل مكة .

( لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا ) : بدئ بالنهي ؛ لأنه من باب التروك ، فهو أسهل . ثم أتي بالأمر بعده الذي هو أشق لحصول الاستئناس قبل النهي . ثم لم يكن نهيا عن شيء سبق تحريمه ، ولكن لما كانت لفظة المفاعلة تقتضي الاشتراك غالبا ، فصار المعنى : ليقع منك رعي لنا ومنا رعي لك ، وهذا فيه ما لا يخفى مع من يعظم نهوا عن هذه اللفظة لهذه العلة ، وأمروا بأن يقولوا : انظرنا ، إذ هو فعل من النبي - صلى الله عليه وسلم - لا مشاركة لهم فيه معه . وقراءة الجمهور : ( راعنا ) . وفي مصحف عبد الله وقراءته ، وقراءة أبي : راعونا ، على إسناد الفعل لضمير الجمع . وذكر أيضا أن في مصحف عبد الله : ارعونا . خاطبوه بذلك إكبارا وتعظيما ، إذ أقاموه مقام الجمع . وتضمن هذا النهي النهي عن كل ما يكون فيه استواء مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وقرأ الحسن ، وابن أبي ليلى ، وأبو حيوة ، وابن محيصن : راعنا بالتنوين ، جعله صفة لمصدر محذوف ، أي قولا راعنا ، وهو على طريق النسب كلابن وتامر . لما كان القول سببا في السب ، اتصف بالرعن ، فنهوا في هذه القراءة عن أن يخاطبوا الرسول بلفظ يكون فيه أو يوهم شيئا من الغض مما يستحقه - صلى الله عليه وسلم - من التعظيم وتلطيف القول وأدبه .

وقد ذكر أن سبب نزول هذه الآية أن اليهود كانت تقصد بذلك - إذ خاطبوا رسول الله [ ص: 339 ] صلى الله عليه وسلم - الرعونة ، وكذا قيل في راعونا ، إنه فاعولا من الرعونة ، كعاشورا . وقيل : كانت لليهود كلمة عبرانية ، أو سريانية يتسابون بها وهي : راعينا ، فلما سمعوا بقول المؤمنين راعنا ، اقترضوه وخاطبوا بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم يعنون تلك المسبة ، فنهي المؤمنون عنها ، وأمروا بما هو في معناها . ومن زعم أن ( راعنا ) لغة مختصة بالأنصار ، فليس قوله بشيء ؛ لأن ذلك محفوظ في جميع لغة العرب . وكذلك قول من قال : إن هذه الآية ناسخة لفعل قد كان مباحا ؛ لأن الأول لم يكن شرعا متقررا قبل . وقيل في سبب نزولها غير ذلك . وبالجملة ، فهي كما قال محمد بن جرير : كلمة كرهها الله أن يخاطب بها نبيه ، كما قال - صلى الله عليه وسلم : " لا تقولوا عبدي وأمتي ، وقولوا فتاي وفتاتي ، ولا تسموا العنب الكرم " . وذكر في النهي وجوه : أن معناها اسمع لا سمعت ، أو أن أهل الحجاز كانوا يقولونها عند المفر ، قاله قطرب ، أو أن اليهود كانوا يقولون : راعينا أي راعي غنمنا ، أو أنه مفاعلة فيوهم مساواة ، أو معناه راع كلامنا ولا تغفل عنه ، أو لأنه يتوهم أنه من الرعونة . وقوله : انظرنا ، قراءة الجمهور ، موصول الهمزة ، مضموم الظاء ، من النظرة ، وهي التأخير ، أي انتظرنا وتأن علينا ، نحو قوله :


فإنكما إن تنظراني ساعة من الدهر تنفعني لدى أم جندب

أو من النظر ، واتسع في الفعل فعدي بنفسه ، وأصله أن يتعدى بإلى ، كما قال الشاعر :


ظاهرات الجمال والحسن ينظر     ن كما ينظر الأراك الظباء



يريد : إلى الأراك ، ومعناه : تفقدنا بنظرك . وقال مجاهد : معناه فهمنا وبين لنا ، فسر باللازم في الأصل ، وهو انظر ؛ لأنه يلزم من الرفق والإمهال على السائل ، والتأني به أن يفهم بذلك . وقيل : هو من نظر البصيرة بالتفكر والتدبر فيما يصلح للمنظور فيه ، فاتسع في الفعل أيضا ، إذ أصله أن يتعدى بفي ، ويكون أيضا على حذف مضاف ، أي انظر في أمرنا . قال ابن عطية : وهذه لفظة مخلصة لتعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم - والظاهر عندي استدعاء نظر العين المقترن بتدبر الحال ، وهذا هو معنى : راعنا ، فبدلت للمؤمنين اللفظة ، ليزول تعلق اليهود . انتهى . وقرأ أبي والأعمش : أنظرنا ، بقطع الهمزة وكسر الظاء ، من الإنظار ، ومعناه : أخرنا وأمهلنا حتى نتلقى عنك . وهذه القراءة تشهد للقول الأول في قراءة الجمهور .

( واسمعوا ) : أي سماع قبول وطاعة . وقيل : معناه اقبلوا . وقيل : فرغوا أسماعكم حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة . وقيل : اسمعوا ما أمرتم به حتى لا ترجعوا تعودون إليه . أكد عليهم ترك تلك الكلمة . وروي أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال : يا أعداء الله ، عليكم لعنة الله ، فوالذي نفسي بيده ، لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأضربن عنقه .

( وللكافرين عذاب أليم ) : ظاهره العموم ، فيدخل فيه اليهود . وقيل : المراد به اليهود ، أي ولليهود الذين تهاونوا بالرسول وسبوه . ولما نهى أولا ، وأمر ثانيا ، وأمر بالسمع وحض عليه ، إذ في ضمنه الطاعة ، أخذ يذكر لمن خالف أمره وكفر ، ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) .

( ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين ) : ذكر المفسرون أن المسلمين قالوا لحلفائهم من اليهود : آمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : وددنا لو كان خيرا مما نحن عليه فنتبعه ، فأكذبهم الله بقوله : ( ما يود الذين كفروا ) ، فعلى هذا يكون المراد بأهل الكتاب : الذين بحضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والظاهر ، العموم في أهل الكتاب ، وهم اليهود والنصارى ، وفي المشركين ، وهم مشركو العرب وغيرهم ، ونفى بما ، لأنها لنفي الحال ، فهم ملتبسون بالبغض والكراهة أن ينزل عليكم . ومن في قوله : من أهل الكتاب ، تبعيضية ، فتتعلق بمحذوف ، أي كائنين من أهل الكتاب . ومن أثبت [ ص: 340 ] أن من تكون لبيان الجنس قال ذلك هنا ، وبه قال الزمخشري ، وأصحابنا لا يثبتون كونها للبيان .

التالي السابق


الخدمات العلمية