الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
بيان المنكر الواجب تغييره : الحقيقة والشروط

كلمة ( منكر ) بضم الميم وسكون النون، وفتح الكاف ( مفعل ) مثل ( مكرم ) اسم مفعول من ( أنكر ) المبني لما لم يسم فاعله، أي جهل ولم يعرف.

وقد اختلفت عبارة أهل العلم في بيان حقيقة المنكر، فمنهم من عرفه بما هـو أعلى صوره، ومنهم من عرفه ببعض صوره، فلم تكن التعاريف كاشفة عن حقيقة وماهية المنكر الواجب تغييره.

ذهب " أبو العالية " إلى أن المنكر عبادة الأوثان ن وهذا أعلى أنواع المنكر، ولا يتصور أنه يقصر حقيقته عليه، فإنه من العلم والحكمة بمكان عظيم.

ومساق الحديث من رواية " أبي سعيد " ، دال على أن المنكر الذي قام رجل لتغييره، ليس من عبادة الأوثان، وإنما هـو تقديم خطبة العيد على الصلاة [1]

. [ ص: 63 ] ولذلك قال " الفخر الرازي " : رأس المنكر الكفر. فجعله رأس المنكر، وما عداه من الكبائر دونه وداخل في المنكر.

وقال الجصاص في " أحكام القرآن " : المنكر هـو ما نهى الله عنه.

وقال الألوسي : المنكر المعاصي التي أنكرها الشرع.

وقال علي القاري : المنكر ما أنكره الشرع وكرهه ولم يرض به.

وقال الراغب الأصفهاني : " المنكر كل فعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه، أو تتوقف في استقباحه واستحسانه العقول، فتحكم بقبحه الشريعة " .

والذي نذهب إليه أن " المنكر " الذي يجب على الأمة تغييره، هـو ما خالف الشرع كتابا وسنة مخالفة قاطعة.

وسواء في هـذا، أن تكون المخالفة لما أمر به الشرع إيجابا أو لما نهى عنه تحريما، وسواء كانت المخالفة تركا بالكلية، لما أمر به الشرع أو زيادة عليه بغير نص، أو نقصا منه بغير عذر، أو تغييرا فيه، أو تبديلا في ذاته، أو فيما يتعلق به زمانا أو مكانا أو كيفية أو وسيلة. فكل مغايرة ذاتية أو عريضة فيما أمر به الشرع هـي منكر، ومثل ذلك تماما المخالفة بالفعل لما نهى عنه، مخالفة كلية أو غير كلية ... إلخ.

وسواء في هـذا ـ أيضاـ أن يكون الأمر أو النهي تصريحا، أو تلويحا، تفصيلا أو إجمالا.

تلك حقيقة المنكر الذي يجب على الأمة تغييره، وهو يشترط فيه شروط أهمها :

*أن يكون المنكر متفقا على إنكاره [2]

لثبوته بالكتاب أو السنة، بحيث لا يكون إنكاره محل خلاف بين أهل العلم الموثوق بهم من ذوي الاختصاص والتقوى [ ص: 64 ] فإن كان محل اجتهاد واختلاف، فليس مما يجب على الأمة تغييره، بل يكون لمن ذهب إلى أنه منكر على الراجح عنده وأن يدعو إلى تركه من باب النصيحة إلى ما هـو الأعلى والأليق بالمسلم.

وغير قليل من أحكام الشريعة المستمدة من الكتاب والسنة بغير طريق العبارة والمنطوق، هـو مناط اختلاف بين أهل العلم.

وكل ما أدى إلى منكر محقق هـو نفسه منكر، يجب تغييره، فمن تيقن أن هـذا العنب لا يزرع إلا ليصنع خمرا، كانت زراعة العنب بهذا الغرض منكرا فوجب تغييره، ومن تعلم الطب ليؤذي المسلمين، أو يكشف عورات نسائهم، كان تعلمه الطب منكرا، يجب تغييره ... إلخ

وتحقيق هـذا الشرط من الأمور المهمة، التي قد يتساهل فيها بعض الناس، فإن تحقيقه على الوجه الصحيح، لا يكون إلا ممن جمع بين العلم والحكمة، إذ العلم يحقق له الوقوف على وجوه الدلالة في النصوص، ووجوه اصطفاءات الأئمة، والوقوف على دقائق العلم.

والحكمة تحقق له سعة الأفق، ونفاذ البصيرة، إلى عقبى الأحداث، فلا يغتر برأي فطير، عليه مسحة من زخرف القول، أو وهج الحماسة، واندفاع الشبيبة، بل يكون له من الحكمة والروية، ما يجعله يقف على حقائق الأشياء.

وإذا ما كان تحقيق الوقوف على ما اتفق عليه أئمة أهل العلم، وما اختلفوا فيه من الكدى التي لا يكاد يجتازها إلا الخاصة فكيف بتحقيق الحكمة مع ذلك ؟ إن غير قليل ممن استطاع التفوق في فقه الدين، فقه تصور، ليفتقر إلى كثير من الحكمة في توظيف هـذا الفقه، توظيفا مثمرا متناغيا مع الفطرة الصافية، وحركة الحياة المسلمة. [ ص: 65 ] أن يكون المنكر موجودا متيقنا، ولذلك ( قال الرسول صلى الله عليه وسلم : من رأى منكم منكرا فليغيره ) فقوله ( رأى ) دال على وجوب العلم بوقوع المنكر، علما محققا، أو بإقدام صاحبه عليه لا محالة، كأن يتيقن أنه يدبر لقتل آخر أو لشرب خمر ... إلخ. وأن الشواهد والقرائن قاطعة بعزمه على إيقاعه،فإن من المنكر ما يكون تغييره بمنعه منه، قبل وقوعه، بأي سبيل من سبل المنع المشروعة، وهو في هـذا يكون أقرب إلى النهي عن المنكر، منه إلى تغييره، فإن النهي أعم من التغيير.

ويستوي في المنكر الواجب على الأمة تغييره، أن يكون مما يتعلق بحق الله تعالى، أو بحق أحد من عباده، ويستوي ـ أيضا ـ أن يكون ذلك المنكر قولا أو فعلا، كبيرا أو صغيرا، فكل ما أنكره الشرع يجب تغييره، وإن اختلفت وسائل التغيير.

وقد جاء لفظ المنكر في الحديث نكرة، ليكون عاما، فإن النكرة في سياق الشرط تعم، مثلما تعم، في سياق النفي ـ كما هـو معلوم عند أهل العلم.

ويستوي في هـذا أن يكون هـذا المنكر واقعا من كبير أو من صغير، ذكر أو أنثى، فلو أن صغيرا أراد أن يقتل، أو يشرب خمرا، أو أن يحرق ماله، فإنه يجب منعه، وإن كان غير مكلف، وكذلك المجنون، لو أقدم على منكر، منع منه ولا سيما منكرا يتعلق بحقوق الآخرين. فلا عبرة بمن يقع منه المنكر، بل العبرة بالمنكر نفسه، وتحقق أنه منكر لا رخصة لمن يفعله فيه. ولذا جاء المفعول الثاني للفعل ( رأى ) محذوفا، ليدل على العموم، فكأنه قيل : من رأى منكم منكرا واقعا من أحد من الناس.

ذلك ما يهدي إليه النصح لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تدبرا وتأويلا، وليس صحيحا ما ذهب إليه بعض الناظرين في الحديث من أنه مقيد بالنفس، ومن له [ ص: 66 ] عليه ولاية، فيكون التقدير من رأى منكم منكرا من نفسه، أو أهله، فيغيره، فيكون التغيير محصورا جوازه في منكر واقع من نفس المغير أو أهله، الذين له عليهم ولاية، كما يذهب إليه مؤلفو كتاب " مواجهة الفكر المتطرف في الإسلام " فذلك غير صحيح [3] . ومن ورائه شر مستطير، إذا إنه يفتح الباب لمن ليس لأحد عليهم ولاية، كالسلطان الأعلى وبطانته، أن يقترفوا من المنكر ما شاءوا، فليس لأحد ـ بناء على اجتهاد أولئك المؤلفين ـ أن يغير منكرهم. وتلك التي لا يقول بها عاقل.

· أن يكون المنكر بواحا ظاهرا، لا يحتاج اليقين بعلمه إلى تفتيش وتجسس، وسواء في هـذا أن يكون ظهوره بذاته، أو بما اقترن به، من صوت، أو لون، أو رائحة ... إلخ. فكل منكر دلت عليه آياته ولوازمه، هـو من المنكر الظاهر، الذي يجب تغييره.

أما إن كان المنكر خفيا، يقترف سرا، فلا يستقيم التفتيش عنه.

( عن أبي برزة الأسلمي ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم، يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته ) [4] .

يقول " الماوردي " : " ليس للمحتسب، أن يبحث عما لم يظهر من المحرمات فإن غلب على الظن استسوار قوم بها، لأمارة وآثار ظهرت، فذلك ضربان :

أحدهما: أن يكون ذلك في انتهاك حرمة، يفوت استدراكها، مثل أن يخبره من يثق بصدقه، أن رجلا خلا برجل ليقتله، أو بامرأة ليزني بها، فيجوز له في مثل هـذا الحال، أن يتجسس ويقدم على الكشف والبحث حذرا من فوات ما لا يستدرك ...... [ ص: 67 ] الضرب الثاني : ما قصر عن هـذه الرتبة، فلا يجوز التجسس عليه ولا كشف الأستار عنه، فإن سمع أصوات الملاهي المنكرة، من دار، أنكرها خارج الدار، ولم يهجم عليها بالدخول، لأن المنكر ظاهر فليس عليه أن يكشف عن الباطن " [5] .

وثم منكرات أعظم أثرا في الأمة من غيرها كمنكر إشاعة الفتنة في الأمة لتقويض هـيبة السلطان المسلم، والخروج عليه، وكمنكر استراق أسرار الدولة وأخبارها لنقلها للعدو، وكمنكر التآمر على إفساد اقتصاد الأمة، وثقافتها وعقيدتها، وصحة أبنائها، والتآمر على إشاعة الفاحشة في الأمة وتغييب عقول أبنائها، وتزوير إرادة الأمة في اختيار ممثليها في المجالس النيابية، وغيرها من المنكرات ذات الأثر الجسيم المبير. فمثل هـذه المنكرات يجب اتخاذ السبيل إلى تغييرها ومنعها من قبل وقوعها، وهو مما يبيت له بليل، ولا يكون مجاهرة.

فالتجسس والتفتيش منهي عنه في المنكرات ذات الآثار الفردية الشخصية التي لا يكاد يتعدى أثرها الفادح إلى كثير من الآخرين، أما ما كان من المنكرات مبيرا ماحقا عزة الأمة وقوتها، فذلك يجب اتخاذ السبل إلى تغييرها ومنعها من قبل وقوعها، فعموم قوله تعالى: ( ولا تجسسوا ) (الحجرات: 12) ، وفي ( قوله صلى الله عليه وسلم : إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا ) [6] إنما هـو عموم نهي عن التجسس مخصص بما كان من المنكرات التي يكون أثرها فادحا ومقوضا لهيبة الأمة وعزتها، وسلامتها، بحيث يكون ذلك المنكر أعظم جرما من التجسس.

تلك أهم شرائط المنكر الذي يجب على الأمة تغييره. [ ص: 68 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية