الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
خاتمة لهذا الفصل

ورد لفظ اليد في القرآن والسنة وكلام الصحابة والتابعين في أكثر من مائة موضع ورودا متنوعا متصرفا فيه مقرونا بما يدل على أنها يد حقيقة من الإمساك والطي والقبض والبسط والمصافحة والحثيات والنضح باليد ، والخلق باليدين والمباشرة بهما وكتب التوراة بيده وغرس جنة عدن بيده وتخمير طينة آدم بيده ووقوف العبد بين يديه ، وكون المقسطين عن يمينه ، وقيام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة عن يمينه ، وتخيير آدم بين ما في يديه ، فقال : اخترت يمين ربي ، وأخذ الصدقة بيمينه يربيها لصاحبها ، وكتابه بيده على نفسه أن رحمته تغلب غضبه ، وأنه مسح ظهر آدم بيده ثم قال له ويداه مفتوحتان : اختر ، فقال اخترت يمين ربي وكلتا يديه يمين مباركة ، وأن يمينه ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ، وبيده الأخرى القسط يرفع ويخفض ، وأنه خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض ، وأنه يطوي السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يطوي الأرض باليد الأخرى ، وأنه خط الألواح التي كتبها لموسى بيده .

وذكر عثمان بن سعيد الدارمي بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن الملائكة قالت : يا رب قد أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون ويلبسون ، [ ص: 406 ] فاجعل لنا الآخرة كما جعلت لهم الدنيا ؟ فقال : لا أفعل ، فأعادوا ذلك ، فقال : لا أفعل ، فأعادوا ذلك عليه فقال : " وعزتي لا أجعل ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان " ورواه عبد الله بن أحمد في كتاب السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا .

وقوله : الأيدي ثلاثة ، فيد الله العليا ويد المعطي التي تليها ، ويد السائل السفلى فهل يصح في عقل أو لغة أو عرف أن يقال : قدرة الله أو نعمته العليا ويد المعطي التي تليها ، فهل يحتمل هذا التركيب غير يد الذات بوجه ما ؟ وهل يصح أن يراد به غير ذلك ؟ وكذلك قوله : اليد العليا خير من اليد السفلى ، واليد العليا هي المنفقة ، واليد السفلى هي السائلة ، فضم هذا إلى قوله : الأيدي ثلاثة ، فيد الله العليا ، ويد المعطي هي التي تليها ، وإلى قوله : ( بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ) تقطع بالضرورة أن المراد يد الذات لا يد القدرة والنعمة ، فإن التركيب والقصد والسياق لا يحتمله البتة .

وتأمل قوله : ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم ) فلما كانوا يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم بأيديهم ويضرب بيده على أيديهم ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو السفير بينه وبينهم كانت مبايعتهم له مبايعة لله تعالى ، ولما كان سبحانه فوق سماواته وعلى عرشه فوق الخلائق كلهم كانت يده فوق أيديهم كما أنه سبحانه فوقهم ، فهل يصح هذا لمن ليس له يد حقيقة ؟ فكيف يستقيم أن يكون المعنى قدرة الله ونعمته فوق قدرهم ونعمهم ، أم تقتضي المقابلة أن يكون المعنى هو الذي يسبق إلى الأفهام من هذا الكلام ؟

وكذلك قوله " ما تصدق أحد صدقة من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه ، وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل " ، فهل يحتمل هذا الكلام غير الحقيقة ؟

[ ص: 407 ] وهب أن اليد تستعمل في النعمة ، أفسمعتم أن اليمين والكف يستعملان في النعمة في غير الوضع الجديد الذي اخترعتموه وحملتم عليه كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم .

وكذلك " وبيده الأخرى القسط " هل يصح أن يكون المعنى وبقدرته الأخرى ؟ وهل يصح في قوله : " إن المقسطين عن يمين الرحمن " أنه عن قدرته في لغة من اللغات ؟ وهل سمعتم باستعمال اليمين في النعمة والكف في النعمة ؟ وكيف يحتمل قوله : " إن الله أخذ ذرية آدم من ظهره ، ثم أفاض بهم في كفه " كف النعمة والقدرة ؟ وهذا لم تعهدوا أنتم ولا أسلافكم به استعمالا البتة سوى الوضع الجديد الذي اخترعتموه .

وكذلك قوله : " خمر الله طينة آدم ثم ضرب بيده فيها فخرج كل طيب بيمينه وكل خبيث بيده الأخرى ثم خلط بينهما " فهل يصح في هذا السياق غير الحقيقة ؟ فضع لفظ النعمة والقدرة هاهنا ، ثم انظر هل يستقيم ذلك ، وهل يصح في قوله : " والخير كله في يديك " أن يكون في نعمتيك أو في قدرتيك .

وقال عبد الله بن الحارث عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله خلق آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس جنة عدن بيده ، أفيصح أن يخص الثلاث بقدرته ، ولا سيما لفظ الحديث " إن الله لم يخلق بيده إلا ثلاثة أشياء " أفيصح أن توضع النعمة والقدرة موضع اليد هاهنا ؟

التالي السابق


الخدمات العلمية