الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة

ابن القيم - أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية

جزء صفحة
السَّابِعُ وَالثَلَاثُونَ : أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَسْتَشْكِلُونَ بَعْضَ النُّصُوصِ وَيُورِدُونَ اسْتِشْكَالَاتِهِمْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُجِيبُهُمْ عَنْهَا ، وَكَانُوا يَسْأَلُونَهُ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ النُّصُوصِ ، وَيُورِدُونَ الَّتِي يُوهِمُ ظَاهِرُهَا التَّعَارُضَ ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يُورِدُ عَلَيْهِ مَعْقُولًا يُعَارِضُ النَّصَّ الْبَتَّةَ ، وَلَا عُرِفَ فِيهِمْ أَحَدٌ ، وَهُمْ أَكْمَلُ الْأُمَّةِ عُقُولًا ، عَارَضَ نَصًّا بِعَقْلٍ ، وَإِنَّمَا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ عَنِ الْكُفَّارِ ، كَمَا تَقَدَّمَ . وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ " ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ : ( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ) فَقَالَ : " بَلَى ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ الْعَرْضُ ، وَمَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ " فَأَشْكَلَ عَلَيْهَا الْجَمْعُ بَيْنَ النَّصَّيْنِ حَتَّى بَيَّنَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا ، وَأَنَّ الْحِسَابَ الْيَسِيرَ هُوَ الْعَرْضُ الَّذِي لَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ اللَّهُ فِيهِ لِكُلِّ عَامِلٍ عَمَلَهُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ) حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَنْجُو نَجَّاهُ اللَّهُ بِعَفْوِهِ وَمَغْفِرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ ، فَإِذَا نَاقَشَهُ الْحِسَابَ عَذَّبَهُ وَلَا بُدَّ ، وَلَمَّا قَالَ : " لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ " قَالَتْ لَهُ حَفْصَةُ : أَلَيْسَ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) قَالَ : أَوَلَمْ تَسْمَعِي قَوْلَهُ : ( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ) فَأَشْكَلَ عَلَيْهَا الْجَمْعُ بَيْنَ النَّصَّيْنِ وَظَنَّتِ الْوُرُودَ هُوَ دُخُولَهَا ، كَمَا يُقَالُ : وَرَدَ الْمَدِينَةَ إِذَا دَخَلَهَا ، فَأَجَابَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ وُرُودَ الْمُتَّقِينَ غَيْرُ وُرُودِ الظَّالِمِينَ ، فَإِنَّ الْمُتَّقِينَ يَرِدُونَهَا وُرُودًا يَنْجُونَ بِهِ مِنْ عَذَابِهَا ; وَالظَّالِمِينَ يَرِدُونَهَا وُرُودًا يَصِيرُونَ جِثِيًّا فِيهَا بِهِ . وَقَالَ لَهُ عُمَرُ : أَلَمْ تَكُنْ تُحَدِّثُنَا أَنَّا نَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ ؟ قَالَ : " هَلْ قُلْتُ : إِنَّكَ تَدْخُلُهُ الْعَامَ ؟ " قَالَ : لَا ، قَالَ : " فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ " ، فَأَشْكَلَ عَلَى عُمَرَ رُجُوعُهُمْ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ وَلَمْ يَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ، وَلَا طَافُوا بِالْبَيْتِ ، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى ذَلِكَ الْعَامِ بِعَيْنِهِ ، فَتَنْزِيلُهُ عَلَى ذَلِكَ الْعَامِ غَلَطٌ ، فَرَجَعَ عُمَرُ وَعَلِمَ أَنَّهُ غَلِطَ فِي فَهْمِهِ . وَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ) قَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، جَاءَتْ قَاصِمَةُ الظَّهْرِ ، فَأَيُّنَا لَمْ يَعْمَلْ سُوءًا ؟ فَقَالَ : " يَا أَبَا بَكْرٍ ، أَلَسْتَ تَنْصَبُ ؟ أَلَسْتَ يُصِيبُكَ الْأَذَى ؟ " قَالَ : بَلَى ، قَالَ : " فَذَلِكَ مِمَّا تُجْزَوْنَ بِهِ " ، فَأَشْكَلَ عَلَى الصِّدِّيقِ أَمْرُ النَّجَاةِ مَعَ هَذِهِ الْآيَةِ وَظَنَّ أَنَّ الْجَزَاءَ فِي الْآخِرَةِ وَلَا بُدَّ ، فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ جَزَاءَهُ وَجَزَاءَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا يَعْمَلُونَهُ مِنَ السُّوءِ فِي الدُّنْيَا مَا يُصِيبُهُمْ مِنَ النَّصَبِ وَالْحُزْنِ وَالْمَشَقَّةِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كَفَّارَةً لِسَيِّئَاتِهِمْ فَلَا يُعَاقَبُونَ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ هَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ : ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) . وَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) قَالَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَأَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ ؟ قَالَ : " ذَاكَ الشِّرْكُ ، أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ الْعَبْدِ الصَّالِحِ : ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) ؟ " ، فَلَمَّا أَشْكَلَ عَلَيْهِمُ الْمُرَادُ بِالظُّلْمِ وَظَنُّوا أَنَّ ظُلْمَ النَّفْسِ دَاخِلٌ فِيهِ ، وَأَنَّ مَنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ أَيَّ ظُلْمٍ كَانَ ، لَمْ يَكُنْ آمِنًا وَلَا مُهْتَدِيًا ، أَجَابَهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ الظُّلْمَ الرَّافِعَ لِلْأَمْنِ وَالْهِدَايَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ هُوَ الشِّرْكُ " . وَهَذَا وَاللَّهِ هُوَ الْجَوَابُ الَّذِي يَشْفِي الْعَلِيلَ وَيَرْوِي الْغَلِيلَ ، فَإِنَّ الظُّلْمَ الْمُطْلَقَ التَّامَّ هُوَ الشِّرْكُ الَّذِي هُوَ وَضْعُ الْعِبَادَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا ، وَالْأَمْنُ وَالْهُدَى الْمُطْلَقُ هُوَ الْأَمْنُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَالْهُدَى إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ . وَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ) أَشْكَلَ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِ الصَّحَابَةِ ، وَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَكْلِيفِهِمْ بِمَا لَا يُطِيقُونَهُ ، فَأَمَرَهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقَابِلُوا النَّصَّ بِالْقَبُولِ ، فَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ، وَأَنَّهُ لَا يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا نَسُوا أَوْ أَخْطَئُوا فِيهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَحْمِلُ عَلَيْهِمْ إِصْرًا كَمَا حَمَلَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ; وَأَنَّهُ لَا يُحَمِّلُهُمْ مَا لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِهِ ، وَأَنَّهُمْ إِنْ قَصَّرُوا فِي بَعْضِ مَا أُمِرُوا بِهِ أَوْ نُهُوا عَنْهُ ثُمَّ اسْتَغْفَرُوا عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ وَغَفَرَ لَهُمْ وَرَحِمَهُمْ ، فَانْظُرْ مَاذَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَابَلُوا خَبَرَهُ بِالرِّضَى وَالتَّسْلِيمِ وَالْقَبُولِ وَالِانْقِيَادِ دُونَ الْمُعَارَضَةِ وَالرَّدِّ . وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ عَائِشَةَ لَمَّا سَمِعَتْ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ " عَارَضَتْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) وَلَمْ تُعَارِضْهُ بِالْعَقْلِ ; بَلْ غَلَّطَتِ الرُّوَاةَ ، وَالصَّوَابُ عَدَمُ الْمُعَارَضَةِ وَتَصْوِيبُ الرُّوَاةِ ، فَإِنَّهُمْ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ ، وَهُمْ عُمَرُ وَابْنُهُ ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَغَيْرُهُمْ ، وَالْعَذَابُ الْحَاصِلُ لِلْمَيِّتِ بِسَبَبِ بُكَاءِ أَهْلِهِ تَأَلُّمُهُ وَتَأَذِّيهِ بِبُكَائِهِمْ عَلَيْهِ ; وَالْوِزْرُ الْمَنْفِيُّ حَمْلُ غَيْرِ صَاحِبِهِ لَهُ هُوَ عُقُوبَةُ الْبَرِيءِ وَأَخْذُهُ بِجَرِيرَةِ غَيْرِهِ ، وَهَذَا لَا يُنَافِي تَأَذِّيَ الْبَرِيءِ السَّلِيمِ بِمُصِيبَةِ غَيْرِهِ ، فَالْقَوْمُ لَمْ يَكُونُوا يُعَارِضُونَ النُّصُوصَ بِعُقُولِهِمْ وَآرَائِهِمْ ، وَإِنْ كَانُوا يَطْلُبُونَ الْجَمْعَ بَيْنَ النَّصَّيْنِ يُوهِمُ ظَاهِرُهُمَا التَّعَارُضَ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية