الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة

ابن القيم - أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية

جزء صفحة
فَلِلَّهِ سُبْحَانَهُ كُلُّ صِفَةِ كَمَالٍ ، وَهُوَ مَوْصُوفٌ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ كُلِّهَا ، وَنَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ صِفَةً وَاحِدَةً يُعْتَبَرُ بِهَا فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ : وَهُوَ أَنَّكَ لَوْ فَرَضْتَ جَمَالَ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، ثُمَّ كَانَ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عَلَى جَمَالِ ذَلِكَ الشَّخْصِ لَكَانَ نِسْبَتُهُ إِلَى جَمَالِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى دُونَ نِسْبَةِ سِرَاجٍ ضَعِيفٍ إِلَى جِرْمِ الشَّمْسِ ، وَكَذَلِكَ قَوَّتُهُ سُبْحَانَهُ وَعَلِمُهُ وَسَمْعُهُ وَبَصَرُهُ وَكَلَامُهُ وَقُدْرَتُهُ وَرَحْمَتُهُ وَحِكْمَتُهُ وَوُجُودُهُ ، وَسَائِرُ صِفَاتِهِ ، وَهَذَا مِمَّا دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَاتُهُ الْكَوْنِىةُ السَّمْعِيَّةُ ، وَأَخْبَرَتْ بِهِ رُسُلُهُ عَنْهُ ، كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ ، حِجَابُهُ النُّورُ ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ " . فَإِذَا كَانَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ الْأَعْلَى لَا يَقُومُ لَهَا شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ ، وَلَوْ كَشَفَ حِجَابَ النُّورِ عَنْ تِلْكَ السُّبُحَاتِ لِأَحْرَقَ الْعَالَمَ الْعُلْوِيَّ وَالسُّفْلِيَّ ، فَمَا الظَّنُّ بِجَلَالِ ذَلِكَ الْوَجْهِ الْكَرِيمِ وَعَظَمَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَكَمَالِهِ وَجَلَالِهِ وَجَمَالِهِ ؟ وَإِذَا كَانَتِ السَّمَاوَاتُ مَعَ سَعَتِهَا وَعَظَمَتِهَا يَجْعَلُهَا عَلَى إِصْبَعٍ مِنْ أَصَابِعِهِ ، وَالْأَرْضُ عَلَى إِصْبَعٍ ، وَالْبِحَارُ عَلَى إِصْبَعٍ ، وَالْجِبَالُ عَلَى إِصْبَعٍ ، فَمَا الظَّنُّ بِالْيَدِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي هِيَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ ؟ وَإِذَا كَانَ يَسْمَعُ ضَجِيجَ الْأَصْوَاتِ بِاخْتِلَافِ اللُّغَاتِ عَلَى تَفَنُّنِ الْحَاجَاتِ بِأَقْطَارِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ ، فَلَا تَشْتَبِهُ عَلَيْهِ وَلَا تَخْتَلِطُ عَلَيْهِ وَلَا يَغْلَطُهُ سَمْعٌ عَنْ سَمْعٍ ، وَيَرَى دَبِيبَ النَّمْلَةِ السَّوْدَاءِ عَلَى الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ تَحْتَ أَطْبَاقِ الْأَرْضِ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ ، وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّهُ الْقُلُوبُ وَأَخْفَى مِنْهُ ، وَهُوَ مَا لَمْ يَخْطُرْ لَهَا أَنَّهُ سَيَخْطُرُ لَهَا ، وَلَوْ كَانَ الْبَحْرُ الْمُحِيطُ بِالْعَالَمِ مِدَادًا وَيُحِيطُ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ كُلُّهَا مِدَادٌ ، وَجَمِيعُ أَشْجَارِ الْأَرْضِ ، وَهُوَ كُلُّ نَبْتٍ قَامَ عَلَى سَاقِهِ مِمَّا يُحْصَدُ وَمِمَّا لَا يُحْصَدُ ، أَقْلَامٌ يُكْتَبُ بِهَا ، لَنَفِدَتِ الْأَقْلَامُ وَالْبِحَارُ وَلَمْ يَنْفَدْ كَلَامُهُ . وَهَذَا وَغَيْرُهُ بَعْضُ مَا تَعَرَّفَ بِهِ إِلَى عِبَادِهِ مِنْ كَمَالِهِ ، وَإِلَّا فَلَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ قَطُّ أَنْ يُحْصِيَ ثَنَاءً عَلَيْهِ ، بَلْ هُوَ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ ، فَكُلُّ الثَّنَاءِ وَكُلُّ الْحَمْدِ وَكُلُّ الْمَجْدِ ، وَكُلُّ الْكَمَالِ لَهُ سُبْحَانَهُ ، هُوَ الَّذِي وَصَلَتْ إِلَيْهِ عُقُولُ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ وَتَلَقَّوْهُ عَنِ الرُّسُلِ وَلَا يَحْتَاجُونَ فِي ثُبُوتِ عِلْمِهِمْ وَجَزْمِهِمْ بِذَلِكَ إِلَى الْجَوَابِ عَنِ الشُّبَهِ الْقَادِحَةِ فِي ذَلِكَ ، وَإِذَا وَرَدَتْ عَلَيْهِمْ لَمْ تَقْدَحْ فِيمَا عَلِمُوهُ وَعَرَفُوهُ ضَرُورَةً مِنْ كَوْنِ رَبِّهِمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كَذَلِكَ وَفَوْقَ ذَلِكَ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية