الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          جزء صفحة
                                                                                                          مؤطأ مالك حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مَالٌ مِنْ الْبَحْرَيْنِ فَقَالَ مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأْيٌ أَوْ عِدَةٌ فَلْيَأْتِنِي فَجَاءَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَحَفَنَ لَهُ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ شرح الزرقاني 1024 1006 - ( مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) الْمَدَنِيِّ أَحَدِ الْأَعْلَامِ يُعْرَفُ بِرَبِيعَةَ الرَّأْيِ ( أَنَّهُ قَالَ ) مُنْقَطِعٌ قَالَ أَبُو عَمْرٍو : بِاتِّفَاقِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ يَتَّصِلُ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : ( قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ) فِي خِلَافَتِهِ ( مَالٌ مِنَ الْبَحْرَيْنِ ) بِلَفْظِ تَثْنِيَةٍ نَحْوَ بَلَدٍ مَعْرُوفٍ مِنْ مَالِ الْجِزْيَةِ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَالَحَهُمْ عَلَيْهَا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ قَوْلِ ابْنِ بَطَّالٍ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ مِنَ الْخُمُسِ أَوْ مِنَ الْفَيْءِ . ( فَقَالَ ) عَلَى لِسَانِ الْمُنَادِي ( مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأْيٌ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَإِسْكَانِ الْهَمْزَةِ مَصْدَرُ " وَأَى " بِزِنَةِ " وَعَى " ، وَعْدٌ وَضَمَانٌ ( أَوْ عِدَةٌ ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَخِفَّةِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ؛ أَيْ : وَعْدٌ وَكَأَنَّ الرَّاوِيَ شَكَّ فِي اللَّفْظِ وَإِنِ اتَّحَدَ الْمَعْنَى ، وَفِي الْبُخَارِيِّ : دَيْنٌ أَوْ عِدَةٌ ، ( فَلْيَأْتِنِي ) أَفِ لَهُ بِهِ ( فَجَاءَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَحَفَنَ لَهُ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ ) جَمْعُ حَفْنَةٍ وَهِيَ مَا يَمْلَأُ الْكَفَّيْنِ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ حَفَنَ لَهُ حَفْنَةً وَقَالَ عِدَّهَا فَوَجَدَهَا خَمْسَمِائَةٍ فَقَالَ لَهُ : خُذْ مِثْلَيْهَا . فَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ جَابِرٍ : " قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَوْ قَدْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ لَقَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ؛ أَيْ : ثَلَاثًا ، فَلَمَّا قُبِضَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ مُنَادِيًا فَنَادَى مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَيْنٌ أَوْ عِدَةٌ فَلْيَأْتِنَا فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِي كَذَا وَكَذَا فَحَثَى لِي ثَلَاثًا " وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ فَحَثَى حَثْيَةً وَقَالَ عِدَّهَا فَوَجَدْتُهَا خَمْسَمِائَةٍ قَالَ : فَخُذْ مِثْلَهَا مَرَّتَيْنِ " . وَفِي أُخْرَى لَهُ أَيْضًا فَقَالَ : " احْثُ فَحَثَوْتُ حَثْيَةً فَقَالَ لِي عِدَّهَا فَعَدَدْتُهَا فَإِذَا هِيَ خَمْسُمِائَةٍ فَأَعْطَانِي أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ " وَالْمُرَادُ بِالْحَثْيَةِ الْحَفْنَةُ عَلَى مَا قَالَ الْهَرَوِيُّ أَنَّهُمَا بِمَعْنًى ، وَإِنَّ الْمَعْرُوفَ لُغَةً أَنَّ الْحَثْيَةَ مِلْءُ كَفٍّ وَاحِدٍ ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : لَمَّا كَانَ وَعْدُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَجُوزُ أَنْ يُخْلَفَ نَزَّلُوا وَعْدَهُ مَنْزِلَةَ الضَّمَانِ فِي الصِّحَّةِ فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَجُوزُ أَنْ يَفِيَ وَأَنْ لَا يَفِيَ ، وَأَشَارَ غَيْرُ وَاحِدٍ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمَّا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى النَّاسِ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ أَدَّى أَبُو بَكْرٍ مَوَاعِيدَهُ عَنْهُ وَلَمْ يَسْأَلْ جَابِرًا الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَاهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ شَيْئًا فِي ذِمَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّمَا ادَّعَى شَيْئًا فِي بَيْتِ الْمَالِ الْمَوْكُولِ أَمْرُهُ إِلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ فَوَفَّاهُ لَهُ أَبُو بَكْرٍ . هَذَا وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ " فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَسَأَلْتُهُ فَلَمْ يُعْطِنِي ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَلَمْ يُعْطِنِي ثُمَّ أَتَيْتُهُ الثَّالِثَةَ فَقُلْتُ : سَأَلْتُكَ فَلَمْ تُعْطِنِي فَإِمَّا أَنْ تُعْطِيَنِي وَإِمَّا أَنْ تَبْخَلَ عَلَيَّ ، قَالَ : قُلْتُ : تَبْخَلُ عَلَيَّ وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَأُ مِنَ الْبُخْلِ مَا مَنَعْتُكَ مِنْ مَرَّةٍ إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُعْطِيَكَ " وَإِنَّمَا أَخَّرَ أَبُو بَكْرٍ إِعْطَاءَ جَابِرٍ حَتَّى قَالَ لَهُ ذَلِكَ ، إِمَّا لِأَمْرٍ أَهَمُّ مِنْهُ أَوْ خَشْيَةَ أَنْ يَحْمِلَهُ ذَلِكَ عَلَى الْحِرْصِ عَلَى الطَّلَبِ ، أَوْ لِئَلَّا يَكْثُرَ الطَّالِبُونَ لِمِثْلِ ذَلِكَ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْمَنْعَ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلِذَا قَالَ لَهُ مَا مَنَعْتُكَ مِنْ مَرَّةٍ . . . إِلَخْ . وَهَذَا الْمَالُ الْآتِي فِي زَمَنِ الصِّدِّيقِ غَيْرُ الْمَالِ الْآتِي مِنَ الْبَحْرَيْنِ زَمَنَ النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْأَنْصَارِيِّ الْبَدْرِيِّ : " أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنَ الْبَحْرَيْنِ بِمَالٍ فَسَمِعَتِ الْأَنْصَارُ بِقُدُومِهِ فَوَافَتْ صَلَاةَ الصُّبْحِ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا صَلَّى بِهِمُ انْصَرَفَ فَتَعَرَّضُوا لَهُ فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآهُمْ وَقَالَ : أَظُنُّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيْءٍ ، قَالُوا : أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ " . وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ : " أُتِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ فَقَالَ : انْثُرُوهُ فِي الْمَسْجِدِ ، وَكَانَ أَكْثَرَ مَالٍ أُتِيَ بِهِ إِلَى أَنْ قَالَ : فَمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَثَمَّ مِنْهَا دِرْهَمٌ " وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّهُ كَانَ مِائَةَ أَلْفٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

                                                                                                          ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                          الخدمات العلمية