الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      تَنْبِيهٌ : اعْلَمْ أَنَّ التَّأْوِيلَ يُطْلَقُ ثَلَاثَةَ إِطْلَاقَاتٍ : الْأَوَّلُ : هُوَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ الْحَقِيقَةُ الَّتِي يَئُولُ إِلَيْهَا الْأَمْرُ ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَاهُ فِي الْقُرْآنِ . الثَّانِي : يُرَادُ بِهِ التَّفْسِيرُ وَالْبَيَانُ ، وَمِنْهُ بِهَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ابْنِ عَبَّاسٍ : " اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ " . وَقَوْلُ ابْنِ جَرِيرٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : كَذَا وَكَذَا أَيْ : تَفْسِيرُهُ وَبَيَانُهُ . وَقَوْلُ عَائِشَةَ الثَّابِتُ فِي الصَّحِيحِ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ : " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي " يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ تَعْنِي يَمْتَثِلُهُ وَيَعْمَلُ بِهِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . الثَّالِثُ : هُوَ مَعْنَاهُ الْمُتَعَارَفُ فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ ، وَهُوَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ الْمُتَبَادَرِ مِنْهُ إِلَى مُحْتَمَلٍ مَرْجُوحٍ بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَحَاصِلُ تَحْرِيرِ مَسْأَلَةِ التَّأْوِيلِ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْ ثَلَاثِ حَالَاتٍ بِالتَّقْسِيمِ الصَّحِيحِ : الْأُولَى : أَنْ يَكُونَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ بِدَلِيلٍ صَحِيحٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَهَذَا هُوَ التَّأْوِيلُ الْمُسَمَّى عِنْدَهُمْ بِالتَّأْوِيلِ الصَّحِيحِ ، وَالتَّأْوِيلِ الْقَرِيبِ كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الثَّابِتُ فِي الصَّحِيحِ : " الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقْبِهِ " ، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ الْمُتَبَادَرَ مِنْهُ ثُبُوتُ الشُّفْعَةِ لِلْجَارِ ، وَحَمْلُ الْجَارِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى خُصُوصِ الشَّرِيكِ الْمُقَاسِمِ حَمْلٌ لَهُ عَلَى مُحْتَمَلٍ مَرْجُوحٍ ، إِلَّا أَنَّهُ دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الْمُصَرِّحُ بِأَنَّهُ إِذَا صُرِّفَتِ الطُّرُقُ وَضُرِبَتِ الْحُدُودُ ، فَلَا شُفْعَةَ . الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ : أَنْ يَكُونَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ لِأَمْرٍ يَظُنُّهُ الصَّارِفُ دَلِيلًا وَلَيْسَ بِدَلِيلٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، وَهَذَا هُوَ الْمُسَمَّى عِنْدَهُمْ بِالتَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ ، وَالتَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ ، وَمَثَّلَ لَهُ الشَّافِعِيَّةُ ، وَالْمَالِكِيَّةُ ، وَالْحَنَابِلَةُ بِحَمْلِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْمَرْأَةَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ، بَاطِلٌ " عَلَى الْمُكَاتَبَةِ ، وَالصَّغِيرَةِ ، وَحَمْلِهِ أَيْضًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِمِسْكِينٍ فِي قَوْلِهِ : سِتِّينَ مِسْكِينًا عَلَى الْمُدِّ ، فَأَجَازَ إِعْطَاءَ سِتِّينَ مُدًّا لِمِسْكِينٍ وَاحِدٍ . الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ : أَنْ يَكُونَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ لَا لِدَلِيلٍ أَصْلًا ، وَهَذَا يُسَمَّى فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ لَعِبًا ، كَقَوْلِ بَعْضِ الشِّيعَةِ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [ 2 \ 67 ] ، يَعْنِي عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَأَشَارَ فِي " مَرَاقِي السُّعُودِ " إِلَى حَدِّ التَّأْوِيلِ ، وَبَيَانِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ بِقَوْلِهِ مُعَرِّفًا لِلتَّأْوِيلِ : [ الرَّجَزِ ] حَمْلٌ لِظَاهِرٍ عَلَى الْمَرْجُوحِ وَاقْسِمْهُ لِلْفَاسِدِ وَالصَّحِيحِ صَحِيحُهُ وَهُوَ الْقَرِيبُ مَا حَمَلَ مَعَ قُوَّةِ الدَّلِيلِ عِنْدَ الْمُسْتَدِلِّ وَغَيْرُهُ الْفَاسِدُ وَالْبَعِيدُ وَمَا خَلَا فَلَعِبًا يُفِيدُ إِلَى أَنْ قَالَ : [ الرَّجَزِ ] فَجَعْلُ مِسْكِينٍ بِمَعْنَى الْمُدِّ عَلَيْهِ لَائِحُ سِمَاتِ الْبُعْدِ كَحَمْلِ امَرْأَةٍ عَلَى الصَّغِيرَةِ وَمَا يُنَافِي الْحُرَّةَ الْكَبِيرَةَ وَحَمْلُ مَا وَرَدَ فِي الصِّيَامِ عَلَى الْقَضَاءِ مَعَ الِالْتِزَامِ أَمَّا التَّأْوِيلُ فِي اصْطِلَاحِ خَلِيلِ بْنِ إِسْحَاقَ الْمَالِكِيِّ الْخَاصِّ بِهِ فِي " مُخْتَصَرِهِ " ، فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ اخْتِلَافِ شُرُوحِ " الْمُدَوَّنَةِ " فِي الْمُرَادِ عِنْدَ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَأَشَارَ لَهُ فِي " الْمَرَاقِي " بِقَوْلِهِ : [ الرَّجَزِ ] وَالْخَلْفُ فِي فَهْمِ الْكِتَابِ صَيَّرَ إِيَّاهُ تَأْوِيلًا لَدَى الْمُخْتَصَرِ وَالْكِتَابُ فِي اصْطِلَاحِ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ " الْمُدَوَّنَةُ " .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية