الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      فَتْحُ قِرْقِيسِيَاءَ وَهِيتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ : لَمَّا رَجَعَ هَاشِمٌ مِنْ جَلُولَاءَ إِلَى الْمَدَائِنِ وَكَانَ أَهْلُ الْجَزِيرَةِ قَدْ أَمَدُّوا أَهْلَ حِمْصَ عَلَى قِتَالِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَخَالِدٍ - لَمَّا كَانَ هِرَقْلُ بِقِنَّسْرِينَ - وَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْجَزِيرَةِ فِي مَدِينَةِ هِيتَ كَتَبَ سَعْدٌ إِلَى عُمَرَ فِي ذَلِكَ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا ، وَأَنْ يُؤَمِّرَ عَلَيْهِمْ عُمَرَ بْنَ مَالِكِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ، فَسَارَ فِي مَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى هِيتَ فَوَجَدَهُمْ قَدْ خَنْدَقُوا عَلَيْهِمْ ، فَحَاصَرَهُمْ حِينًا فَلَمْ يَظْفَرْ بِهِمْ ، فَسَارَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى مُحَاصَرَةِ هِيتَ الْحَارِثَ بْنَ يَزِيدَ ، فَرَاغَ عُمَرُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى قِرْقِيسِيَاءَ ، فَأَخَذَهَا عَنْوَةً ، وَأَنَابُوا إِلَى بَذْلِ الْجِزْيَةِ ، وَكَتَبَ إِلَى نَائِبِهِ عَلَى هِيتَ إِنْ لَمْ يُصَالِحُوا ، أَنْ يَحْفِرَ مِنْ وَرَاءِ خَنْدَقِهِمْ خَنْدَقًا ، وَيَجْعَلَ لَهُ أَبْوَابًا مِنْ نَاحِيَتِهِ . فَلَمَّا بَلَغَهُمْ ذَلِكَ أَنَابُوا إِلَى الْمُصَالَحَةِ . قَالَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ : وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعَثَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْيَرْمُوكِ إِلَى قِنَّسْرِينَ فَصَالَحَ أَهْلَ حَلَبَ وَمَنْبِجَ ، وَأَنْطَاكِيَةَ ، عَلَى الْجِزْيَةِ ، وَفَتَحَ سَائِرَ بِلَادِ قِنَّسْرِينَ عَنْوَةً . قَالَ : وَفِيهَا افْتُتِحَتْ سَرُوجُ وَالرُّهَا عَلَى يَدَيْ عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ قَالَ : وَفِيهَا فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ سَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، فَحَاصَرَ إِيلِيَاءَ فَسَأَلُوا الصُّلْحَ عَلَى أَنْ يَقْدَمَ عُمَرُ فَيُصَالِحَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، فَكَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى عُمَرَ ، فَقَدِمَ حَتَّى صَالَحَهُمْ ، وَأَقَامَ أَيَّامًا ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ . قُلْتُ : قَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِيمَا قَبْلَ هَذِهِ السَّنَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْوَاقِدِيُّ : وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ حَمَى عُمَرُ الرَّبَذَةَ لِخَيْلِ الْمُسْلِمِينَ ، وَفِيهَا غَرَّبَ عُمَرُ أَبَا مِحْجَنٍ الثَّقَفِيَّ إِلَى بَاضِعٍ ، وَفِيهَا تَزَوَّجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ . قُلْتُ : الَّذِي قُتِلَ يَوْمَ الْجِسْرِ ، وَكَانَ أَمِيرَ السَّرِيَّةِ ، وَهِيَ أُخْتُ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ ، أَمِيرِ الْعِرَاقِ فِيمَا بَعْدُ ، وَكَانَتِ امْرَأَةً صَالِحَةً ، وَكَانَ أَخُوهَا فَاجِرًا ، وَكَافِرًا أَيْضًا . قَالَ الْوَاقِدِيُّ : وَفِيهَا حَجَّ عُمَرُ بِالنَّاسِ ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ . قَالَ : وَكَانَ نَائِبَهُ عَلَى مَكَّةَ عَتَّابٌ ، وَعَلَى الشَّامِ أَبُو عُبَيْدَةَ ، وَعَلَى الْعِرَاقِ سَعْدٌ ، وَعَلَى الطَّائِفِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ ، وَعَلَى الْيَمَنِ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ ، وَعَلَى الْيَمَامَةِ وَالْبَحْرَيْنِ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ ، وَعَلَى عُمَانَ حُذَيْفَةُ بْنُ مِحْصَنٍ ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ، وَعَلَى الْمَوْصِلِ رِبْعِيُّ بْنُ الْأَفْكَلِ ، وَعَلَى الْجَزِيرَةِ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ الْأَشْعَرِيُّ . قَالَ الْوَاقِدِيُّ : وَفِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ - كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ التَّأْرِيخَ ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ كَتَبَهُ . قُلْتُ : قَدْ ذَكَرْنَا سَبَبَهُ فِي " سِيرَةِ عُمَرَ " ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رُفِعَ إِلَى عُمَرَ صَكٌّ مَكْتُوبٌ لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ بِدَيْنٍ يَحِلُّ عَلَيْهِ فِي شَعْبَانَ ، فَقَالَ : أَيُّ شَعْبَانَ ؟ أَمِنْ هَذِهِ السَّنَةِ أَمِ الَّتِي قَبْلَهَا ، أَمِ الَّتِي بَعْدَهَا ؟ ثُمَّ جَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ : ضَعُوا لِلنَّاسِ شَيْئًا يَعْرِفُونَ بِهِ حُلُولَ دُيُونِهِمْ . فَيُقَالُ : إِنَّهُمْ أَرَادَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُؤَرِّخُوا كَمَا تُؤَرِّخُ الْفُرْسُ بِمُلُوكِهِمْ ، كُلَّمَا هَلَكَ مَلِكٌ أَرَّخُوا مِنْ تَارِيخِ وِلَايَةِ الَّذِي بَعْدَهُ ، فَكَرِهُوا ذَلِكَ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : أَرِّخُوا بِتَارِيخِ الرُّومِ مِنْ زَمَانِ إِسْكَنْدَرَ . فَكَرِهُوا ذَلِكَ ، وَلِطُولِهِ أَيْضًا . وَقَالَ قَائِلُونَ : أَرِّخُوا مِنْ مَوْلِدِ رَسُولِ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ آخَرُونَ : مِنْ مَبْعَثِهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَشَارَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَآخَرُونَ أَنْ يُؤَرَّخَ مِنْ هِجْرَتِهِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ ; لِظُهُورِهِ لِكُلِّ أَحَدٍ فَإِنَّهُ أَظْهَرُ مِنَ الْمَوْلِدِ وَالْمَبْعَثِ . فَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ عُمَرُ وَالصَّحَابَةُ ، فَأَمَرَ عُمَرُ أَنْ يُؤَرَّخَ مِنْ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَرَّخُوا مِنْ أَوَّلِ تِلْكَ السَّنَةِ مِنْ مُحَرَّمِهَا . وَعِنْدَ مَالِكٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ السُّهَيْلِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ أَوَّلَ السَّنَةِ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ لِقُدُومِهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِلَى الْمَدِينَةَ فِيهِ . وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ السَّنَةِ مِنَ الْمُحَرَّمِ ; لِأَنَّهُ أَضْبَطُ ، لِئَلَّا تَخْتَلِفَ الشُّهُورُ ، فَإِنَّ الْمُحَرَّمَ أَوَّلُ السَّنَةِ الْهِلَالِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ . وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ - تُوُفِّيَتْ مَارِيَةُ أُمُّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَلِكَ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا ، فِيمَا ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ ، وَصَلَّى عَلَيْهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَكَانَ يَجْمَعُ النَّاسَ لِشُهُودِ جِنَازَتِهَا ، وَدُفِنَتْ بِالْبَقِيعِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأَرْضَاهَا . وَهِيَ مَارِيَةُ الْقِبْطِيَّةُ ، أَهْدَاهَا صَاحِبُ إِسْكَنْدَرِيَّةَ - وَهُوَ جُرَيْجُ بْنُ مِينَا - فِي جُمْلَةِ تُحَفٍ وَهَدَايَا لِرَسُولِ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ ، وَكَانَ مَعَهَا أُخْتُهَا سِيرِينُ الَّتِي وَهَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ ، فَوَلَدَتْ لَهُ ابْنَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ حَسَّانَ . وَيُقَالُ : أَهْدَى الْمُقَوْقِسُ مَعَهُمَا جَارِيَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ . فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا كَانَتَا خَادِمَتَيْنِ لِمَارِيَةَ وَسِيرِينَ . وَأَهْدَى مَعَهُنَّ غُلَامًا خَصِيًّا اسْمُهُ مَأْبُورٌ ، وَأَهْدَى مَعَ ذَلِكَ بَغْلَةً شَهْبَاءَ اسْمُهَا الدُّلْدُلُ ، وَأَهْدَى حُلَّةَ حَرِيرٍ مِنْ عَمَلِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ . وَكَانَ قُدُومُ هَذِهِ الْهَدِيَّةِ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ . فَحَمَلَتْ مَارِيَةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِإِبْرَاهِيمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَعَاشَ عِشْرِينَ شَهْرًا ، وَمَاتَ قَبْلَ أَبِيهِ رَسُولِ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِسَنَةٍ سَوَاءٍ ، وَقَدْ حَزِنَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَبَكَى عَلَيْهِ وَقَالَ : تَدْمَعُ الْعَيْنُ ، وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا ، وَإِنَّا بِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ عَشْرٍ . وَكَانَتْ مَارِيَةُ هَذِهِ مِنَ الصَّالِحَاتِ الْخَيِّرَاتِ الْحِسَانِ ، وَقَدْ حَظِيَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأُعْجِبَ بِهَا ، وَكَانَتْ جَمِيلَةً مُلَّاحَةً ، أَيْ حُلْوَةً وَهِيَ تُشَابِهُ هَاجَرَ سُرِّيَّةَ الْخَلِيلِ ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مِنْ دِيَارِ مِصْرَ وَتَسَرَّاهَا نَبِيٌّ كَرِيمٌ ، وَخَلِيلٌ جَلِيلٌ ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية