الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      الْقَوْلُ فِيمَا أُوتِيَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ . وَيُسَمَّى الْمَسِيحُ ; فَقِيلَ : لِمَسْحِهِ الْأَرْضَ . وَقِيلَ : لِمَسْحِ قَدَمِهِ . وَقِيلَ : لِخُرُوجِهِ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بِالدِّهَانِ . وَقِيلَ : لِمَسْحِ جِبْرِيلَ لَهُ بِالْبَرَكَةِ . وَقِيلَ : لِمَسْحِ اللَّهِ الذُّنُوبَ عَنْهُ . وَقِيلَ : لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَمْسَحُ أَحَدًا إِلَّا بَرِئَ . حَكَاهَا كُلُّهَا الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ . وَمِنْ خَصَائِصِهِ أَنَّهُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، مَخْلُوقٌ بِالْكَلِمَةِ مِنْ أُنْثَى بِلَا ذَكَرٍ ، كَمَا خُلِقَتْ حَوَّاءُ مِنْ ذَكَرٍ بِلَا أُنْثَى ، وَكَمَا خُلِقَ آدَمُ لَا مِنْ ذَكَرٍ وَلَا مِنْ أُنْثَى ، وَإِنَّمَا خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ تُرَابٍ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : كُنْ فَيَكُونُ ، وَكَذَلِكَ يَكُونُ عِيسَى بِالْكَلِمَةِ وَبِنَفْخِ جِبْرِيلَ فِي فَرْجِ مَرْيَمَ ، فَخَلَقَ اللَّهُ مِنْهَا عِيسَى . وَمِنْ خَصَائِصِهِ وَأُمِّهِ أَنَّ إِبْلِيسَ ، لَعَنَهُ اللَّهُ ، حِينَ وُلِدَ ذَهَبَ يَطْعَنُ فَطَعَنَ فِي الْحِجَابِ كَمَا جَاءَ فِي " الصَّحِيحِ " . وَمِنْ خَصَائِصِهِ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ ، وَهُوَ حَيٌّ الْآنَ بِجَسَدِهِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا . وَسَيَنْزِلُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَلَى الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ الشَّرْقِيَّةِ بِدِمَشْقَ ، فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا ، كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا ، وَيَحْكُمُ بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ ، ثُمَّ يَمُوتُ وَيُدْفَنُ بِالْحُجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ ، كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَدْ بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي قِصَّتِهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا . وَقَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ ابْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : وَأَمَّا مُعْجِزَاتُ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَمِنْهَا إِحْيَاءُ الْمَوْتَى ، وَلِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرٌ ، وَإِحْيَاءُ الْجَمَادِ أَبْلَغُ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَيِّتِ ، وَقَدْ كَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذِّرَاعَ الْمَسْمُومَةَ ، وَهَذَا الْإِحْيَاءُ أَبْلَغُ مِنْ إِحْيَاءِ الْإِنْسَانِ الْمَيِّتِ مِنْ وُجُوهٍ ; أَحَدُهَا ، أَنَّهُ إِحْيَاءُ جُزْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ دُونَ بُقِّيةِ بَدَنِهِ ، وَهَذَا مُعْجِزٌ لَوْ كَانَ مُتَّصِلًا بِالْبَدَنِ . الثَّانِي : أَنَّهُ أَحْيَاهُ وَحْدَهُ مُنْفَصِلًا عَنْ بَقِيَّةِ أَجْزَاءِ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ مَعَ مَوْتِ الْبَقِيَّةِ . الثَّالِثُ : أَنَّهُ أَعَادَ عَلَيْهِ الْحَيَاةَ مَعَ الْإِدْرَاكِ وَالْعَقْلِ ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْحَيَوَانُ يَعْقِلُ فِي حَيَاتِهِ فَصَارَ جُزْؤُهُ حَيًّا يَعْقِلُ . الرَّابِعُ : أَنَّهُ أَقْدَرَهُ اللَّهُ عَلَى النُّطْقِ وَالْكَلَامِ وَلَمْ يَكُنِ الْحَيَوَانُ الَّذِي هُوَ جُزْؤُهُ مِمَّا يَتَكَلَّمُ ، وَفِي هَذَا مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ حَيَاةِ الطُّيُورِ الَّتِي أَحْيَاهَا اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قُلْتُ : وَفِي حُلُولِ الْحَيَاةِ وَالْإِدْرَاكِ وَالْعَقْلِ فِي الْحَجَرِ الَّذِي كَانَ يُخَاطِبُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ ، كَمَا رُوِيَ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " مِنَ الْمُعْجِزِ مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ إِحْيَاءِ الْحَيَوَانِ فِي الْجُمْلَةِ ; لِأَنَّهُ كَانَ مَحَلًّا لِلْحَيَاةِ فِي وَقْتٍ ، بِخِلَافِ هَذَا حَيْثُ لَا حَيَاةَ لَهُ بِالْكُلِّيَّةِ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ تَسْلِيمُ الْأَحْجَارِ وَالْمَدَرُ عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ الْأَشْجَارُ وَالْأَغْصَانُ وَشَهَادَتُهَا بِالرِّسَالَةِ ، وَحَنِينُ الْجِذْعِ إِلَيْهِ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ . قَالَ شَيْخُنَا ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : وَقَدْ جَمَعَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا كِتَابًا فِيمَنْ عَاشَ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَذَكَرَ مِنْهَا كَثِيرًا ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَنَسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ : دَخَلْنَا عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ مَرِيضٌ يَعْقِلُ ، فَلَمْ نَبْرَحْ حَتَّى قُبِضَ ، فَبَسَطْنَا عَلَيْهِ ثَوْبَهُ وَسَجَّيْنَاهُ ، وَلَهُ أَمٌّ عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهَا بَعْضُنَا ، وَقَالَ : يَا هَذِهِ احْتَسِبِي مُصِيبَتَكِ عِنْدَ اللَّهِ . فَقَالَتْ : وَمَا ذَاكَ ؟ أَمَاتَ ابْنِي ؟ قُلْنَا : نَعَمْ . قَالَتْ : أَحَقٌّ مَا تَقُولُونَ ؟ ! قُلْنَا : نَعَمْ . فَمَدَّتْ يَدَيْهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَتِ : اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي أَسْلَمْتُ وَهَاجَرْتُ إِلَى رَسُولِكَ ; رَجَاءَ أَنْ تُغِيثَنِي عِنْدَ كُلِّ شِدَّةٍ وَرَخَاءٍ ، فَلَا تُحَمِّلْنِي هَذِهِ الْمُصِيبَةَ الْيَوْمَ . قَالَ : فَكَشَفَ الرَّجُلُ عَنْ وَجْهِهِ وَقَعَدَ ، وَمَا بَرِحْنَا حَتَّى أَكَلْنَا مَعَهُ . وَهَذِهِ الْقِصَّةُ قَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ ، وَفِي ذِكْرِ مُعْجِزِ الطُّوفَانِ مَعَ قِصَّةِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ ، وَهَذَا السِّيَاقُ الَّذِي أَوْرَدَهُ شَيْخُنَا ذَكَرَ بَعْضَهُ بِالْمَعْنَى ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا ، وَالْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ بَشِيرٍ الْمُرِّيِّ - أَحَدِ زُهَّادِ الْبَصْرَةِ وَعُبَّادِهَا وَفِي حَدِيثِهِ لِينٌ - عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، فَذَكَرَهُ . وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ : أَنَّ أُمَّهُ كَانَتْ عَجُوزًا عَمْيَاءَ . ثُمَّ سَاقَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، وَسِيَاقُهُ أَتَمُّ ، وَفِيهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهَذَا بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، وَلَكِنْ فِيهِ انْقِطَاعٌ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ وَأَنَسٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية