[ ص: 539 ] كتاب
nindex.php?page=treesubj&link=29629دلائل النبوة
وهي معنوية وحسية ؛ فمن المعنوية
nindex.php?page=treesubj&link=31011إنزال القرآن العظيم عليه ، وهو أعظم المعجزات ، وأبهر الآيات ، وأبين الحجج الواضحات ؛ لما اشتمل عليه من التركيب المعجز الذي تحدى به الإنس والجن أن يأتوا بمثله فعجزوا عن ذلك ، مع توافر دواعي أعدائه على معارضته وفصاحتهم وبلاغتهم . ثم تحداهم بعشر سور مثله فعجزوا ، ثم تنازل إلى التحدي بسورة من مثله فعجزوا عنه ، وهم يعلمون عجزهم وتقصيرهم عن ذلك ، وأن هذا ما لا سبيل لأحد إليه أبدا ، قال الله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=88قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا [ الإسراء : 88 ] . وهذه الآية مكية ، وقال في سورة " الطور " وهي مكية :
nindex.php?page=tafseer&surano=52&ayano=33أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين [ الطور : 33 ، 34 ] . أي ؛ إن كنتم صادقين في أنه قاله من عنده فهو بشر مثلكم ، فأتوا بمثل ما جاء به فإنكم بشر مثله . وقال تعالى في سورة " البقرة " ، وهي مدنية معيدا للتحدي :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=23وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين [ البقرة 23 ، 24 ] .
[ ص: 540 ] وقال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=11&ayano=13أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون [ هود : 13 ، 14 ] وقال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=10&ayano=37وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين [ يونس : 37 - 39 ] فبين تعالى أن الخلق عاجزون عن معارضة هذا القرآن ، بل عن عشر سور مثله ، بل عن سورة منه ، وأنهم لا يستطيعون ذلك أبدا ، كما قال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=24فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا أي ؛ فإن لم تفعلوا في الماضي ولن تستطيعوا ذلك في المستقبل ، وهذا تحد ثان ، وهو أنه لا يمكن معارضته لهم لا في الحال ولا في المآل ، ومثل هذا التحدي إنما يصدر عن واثق بأن ما جاء به لا يمكن البشر معارضته ولا الإتيان بمثله ، ولو كان من متقول من عند نفسه لخاف أن يعارض ، فيفتضح ويعود عليه نقيض ما قصده من متابعة الناس له ، ومعلوم لكل ذي لب أن
محمدا صلى الله عليه وسلم من أعقل خلق الله ، بل أعقلهم وأكملهم على الإطلاق في نفس الأمر ، فما كان ليقدم على هذا إلا وهو عالم بأنه لا يمكن معارضته ، وهكذا وقع ، فإن من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإلى زماننا هذا لم يستطع أحد أن يأتي بنظيره ولا نظير سورة منه ، وهذا لا سبيل إليه أبدا ، فإنه كلام رب العالمين الذي لا يشبهه شيء من
[ ص: 541 ] خلقه ؛ لا في ذاته ، ولا في صفاته ، ولا في أفعاله ، فأنى يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق ؟! وقول كفار
قريش الذي حكاه تعالى عنهم في قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=8&ayano=31وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين [ الأنفال : 31 ] كذب منهم ودعوى باطلة بلا دليل ولا برهان ولا حجة ولا بيان ، ولو كانوا صادقين لأتوا بما يعارضه ، بل هم يعلمون كذب أنفسهم ، كما يعلمون كذب أنفسهم في قولهم :
nindex.php?page=tafseer&surano=25&ayano=5أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا [ الفرقان : 5 ] قال الله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=25&ayano=6قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما [ الفرقان : 6 ] أي ؛ أنزله عالم الخفيات ، ورب الأرض والسماوات ، الذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون ، فإنه تعالى أوحى إلى عبده ورسوله النبي الأمي الذي كان لا يحسن الكتابة ولا يدريها بالكلية ، ولا يعلم شيئا من علم الأوائل ، وأخبار الماضين ، فقص الله عليه خبر ما كان وما هو كائن على الوجه الواقع سواء بسواء ، وهو في ذلك يفصل بين الحق والباطل الذي اختلفت في إيراده جملة الكتب المتقدمة ، كما قال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=11&ayano=49تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين [ هود : 49 ] وقال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=20&ayano=99كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا [ طه : 99 - 101 ] وقال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=48وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه الآية [ المائدة : 48 ]
[ ص: 542 ] . وقال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=48وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون [ العنكبوت : 48 - 52 ] فبين تعالى أن نفس إنزال هذا الكتاب المشتمل على علم ما كان وما يكون ، وحكم ما هو كائن بين الناس على مثل هذا النبي الأمي وحده كاف في الدلالة على صدقه ، وقال تعالى
nindex.php?page=tafseer&surano=10&ayano=15وإذ تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون [ يونس : 15 - 17 ] يقول لهم : إني لا أطيق تبديل هذا من تلقاء نفسي ، وإنما
[ ص: 543 ] الله عز وجل ، هو الذي يمحو ما يشاء ويثبت ، وأنا مبلغ عنه ، وأنتم تعلمون صدقي فيما جئتكم به ؛ لأني نشأت بين أظهركم ، وأنتم تعلمون نسبي وصدقي ، وأمانتي ، وأني لم أكذب على أحد منكم يوما من الدهر ، فكيف يسعني أن أكذب على الله عز وجل ، مالك الضر والنفع ، الذي هو على كل شيء قدير ، وبكل شيء عليم ؟! وأي ذنب عنده أعظم من الكذب عليه ، ونسبة ما ليس منه إليه ؟ كما قال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=69&ayano=44ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين [ الحاقة : 44 - 47 ] أي لو كذب علينا لانتقمنا منه أشد الانتقام ، وما استطاع أحد من أهل الأرض أن يحجزنا عنه ولا يمنعنا منه .
وقال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=93ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون [ الأنعام : 93 ] وقال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=19قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ [ الأنعام : 19 ] وهذا الكلام فيه الإخبار بأن الله شهيد على كل شيء ، وأنه تعالى أعظم الشهداء ، وهو مطلع علي وعليكم فيما جئتكم به عنه ، وتتضمن قوة الكلام قسما به أنه قد أرسلني إلى الخلق لأنذرهم بهذا القرآن ، فمن بلغه منهم فهو نذير له ، كما قال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=11&ayano=17ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون [ هود : 17 ] ففي هذا القرآن من الأخبار الصادقة عن الله وملائكته وعرشه ومخلوقاته العلوية والسفلية ، كالسماوات ، والأرضين ، وما بينهما وما فيهن ، أمور عظيمة كثيرة مبرهنة بالأدلة
[ ص: 544 ] القطعية المرشدة إلى العلم بذلك من جهة العقل الصحيح ، كما قال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=89ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا [ الإسراء : 89 ] وقال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=43وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون [ العنكبوت : 43 ] وقال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=30&ayano=58ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون [ الزمر : 27 ، 28 ] وفي القرآن العظيم الإخبار عما مضى على الوجه الحق ، وبرهانه ما في كتب أهل الكتاب من ذلك شاهدا له ، مع كونه نزل على رجل أمي لا يعرف الكتابة ولم يعان يوما من الدهر شيئا من علوم الأوائل ، ولا أخبار الماضين ، فلم يفجأ الناس إلا بوحي إليه عما كان من الأخبار النافعة ، التي ينبغي أن تذكر للاعتبار بها من أخبار الأمم مع الأنبياء ، وما كان من أمورهم معهم ، وكيف نجى الله المؤمنين ، وأهلك الكافرين ، بعبارة لا يستطيع بشر أن يأتي بمثلها أبد الآبدين ، ودهر الداهرين ففي مكان تقص القصة موجزة في غاية البيان والفصاحة ، وتارة تبسط ، فلا أحلى ولا أجلى ولا أعلى من ذلك السياق ، حتى كأن التالي والسامع مشاهد لما كان ، حاضر له ، معاين للخبر بنفسه ، كما قال تعالى
nindex.php?page=tafseer&surano=28&ayano=46وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون [ القصص : 46 ] وقال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=44وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون [ آل عمران : 44 ] وقال تعالى في سورة يوسف :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=102ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين [ يوسف : 101 - 104 ]
[ ص: 545 ] إلى أن قال في آخرها
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=111لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون [ يوسف : 111 ] وقال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=20&ayano=133وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى [ طه : 133 ] وقال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=41&ayano=52قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد [ فصلت : 52 ، 53 ] وعد تعالى أنه سيظهر آيات القرآن وصدقه وصدق من جاء به بما يخلقه في الآفاق من الآيات الدالة على صدق هذا الكتاب ، وفي نفس المنكرين له المكذبين ما فيه حجة عليهم وبرهان قاطع لشبههم ، حتى يستيقنوا أنه منزل من عند الله على لسان الصادق ، ثم أرشد إلى دليل مستقل بقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=41&ayano=53أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ؛ أي في العلم بأن الله مطلع على هذا الأمر كفاية في صدق هذا المخبر عنه ، إذ لو كان مفتريا عليه لعاجله بالعقوبة البليغة ، كما تقدم بيان ذلك .
وفي هذا القرآن إخبار عما وقع في المستقبل طبق ما وقع سواء بسواء ، وكذلك في الأحاديث حسب ما قررناه في كتابنا " التفسير " ، وما سنذكره من الملاحم والفتن ، كقوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=73&ayano=20علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله [ المزمل : 20 ]
[ ص: 546 ] وهذه السورة من أوائل ما نزل
بمكة . وكذلك قوله تعالى في سورة " اقتربت " وهي مكية بلا خلاف :
nindex.php?page=tafseer&surano=54&ayano=45سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر [ القمر : 45 ، 46 ] وقع مصداق هذه الهزيمة يوم بدر بعد ذلك ، إلى أمثال هذا من الأمور البينة الواضحة ، وسيأتي فصل فيما أخبر به من الأمور التي وقعت بعده عليه الصلاة والسلام ، طبق ما أخبر به .
وفي القرآن الأحكام العادلة أمرا ونهيا ، المشتملة على الحكم البالغة التي إذا تأملها ذو الفهم والعقل الصحيح قطع بأن هذه الأحكام إنما أنزلها العالم بالخفيات ، الرحيم بعباده ، الذي يعاملهم بلطفه ورحمته وإحسانه ، قال تعالى
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=115وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا [ الأنعام : 115 ] ؛ أي صدقا في الأخبار وعدلا في الأوامر والنواهي . وقال تعالى
nindex.php?page=tafseer&surano=11&ayano=1الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير [ هود : 1 ] أي ؛ أحكمت ألفاظه وفصلت معانيه . وقال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=33هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق [ التوبة : 33 ] أي العلم النافع والعمل الصالح . وهكذا روي عن
علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، أنه قال
لكميل بن زياد : هو كتاب الله ، فيه
[ ص: 547 ] خبر ما قبلكم ، وحكم ما بينكم ، ونبأ ما بعدكم . وقد بسطنا هذا كله في كتابنا " التفسير " بما فيه كفاية ، ولله الحمد والمنة
فالقرآن العظيم معجز من وجوه كثيرة ؛ من فصاحته ، وبلاغته ، ونظمه ، وتراكيبه ، وأساليبه ، وما تضمنه من الإخبار بالغيوب الماضية والمستقبلة ، وما اشتمل عليه من الأحكام المحكمة الجلية ، فالتحدي ببلاغة ألفاظه يخص فصحاء العرب ، والتحدي بما اشتمل عليه من المعاني الصحيحة الكاملة - وهي أعظم في التحدي عند كثير من العلماء - يعم جميع أهل الأرض من الملتين ؛ أهل الكتابين وغيرهم من عقلاء اليونان والهند والفرس والقبط وغيرهم من أصناف بني آدم في سائر الأقطار والأعصار ، وأما من زعم من المتكلمين أن الإعجاز إنما هو من صرف دواعي الكفرة عن معارضته مع إمكان ذلك ، أو هو سلب قدرهم على ذلك ، فقول باطل وهو مفرع على اعتقادهم أن القرآن مخلوق ، خلقه الله في بعض الأجرام ، ولا فرق عندهم بين مخلوق ومخلوق ، وقولهم هذا كفر وباطل ، وليس بمطابق لما في نفس الأمر ، بل القرآن كلام الله غير مخلوق ، تكلم به كما شاء تعالى وتقدس وتنزه عما يقولون علوا كبيرا فالخلق كلهم عاجزون حقيقة في نفس الأمر عن الإتيان بمثله ولو تعاضدوا وتظاهروا على ذلك ، بل لا تقدر الرسل الذين هم أفصح الخلق وأعلم الخلق وأكملهم أن يتكلموا بمثل كلام الله ، وهذا القرآن الذي يبلغه الرسول صلى الله عليه وسلم عن
[ ص: 548 ] الله كلام له أسلوب لا يشبه أساليب كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأساليب كلامه عليه الصلاة والسلام المحفوظة عنه بالسند الصحيح إليه لا يقدر أحد من الصحابة ولا من بعدهم أن يتكلم بمثل أساليبه في فصاحته وبلاغته فيما يرومه من المعاني بألفاظه الشريفة ، بل وكلام الصحابة أسلوب أعلى من أساليب كلام التابعين ، وهلم جرا إلى زماننا ، وعلماء السلف أفصح وأعلم وأقل تكلفا في أداء ما يريدونه من المعاني بألفاظهم ، من علماء الخلف ، وهذا يشهده من له ذوق بكلام الناس ، كما يدرك تفاوت ما بين أشعار العرب في زمن الجاهلية وبين أشعار المولدين الذين كانوا بعد ذلك .
ولهذا جاء الحديث الثابت في هذا المعنى ، وهو فيما رواه الإمام
أحمد قائلا : حدثنا
حجاج ، ثنا
ليث ، حدثني
سعيد بن أبي سعيد ، عن أبيه ، عن
nindex.php?page=showalam&ids=3أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
ما من الأنبياء نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة وقد أخرجه
nindex.php?page=showalam&ids=12070البخاري ومسلم من حديث
الليث بن سعد به . ومعنى هذا أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، كل منهم قد أوتي من الحجج والدلائل على صدقه وصحة ما جاء به عن ربه ما فيه كفاية وحجة لقومه الذين بعث إليهم ، سواء آمنوا به ففازوا بثواب إيمانهم ، أو جحدوا
[ ص: 549 ] فاستحقوا العقوبة ، وقوله ،
وإنما كان الذي أوتيت أي جله وأعظمه الوحي الذي أوحاه إليه ، وهو القرآن الحجة المستمرة الدائمة القائمة في زمانه وبعده ، فإن البراهين التي كانت للأنبياء انقرض زمانها في حياتهم ، ولم يبق منها إلا الخبر عنها ، وأما القرآن فهو حجة قائمة ، كأنما يسمعه السامع من فلق في رسول الله صلى الله عليه وسلم فحجة الله قائمة به في حياته عليه الصلاة والسلام ، وبعد وفاته ، ولهذا قال
فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة أي لاستمرار ما آتاني الله من الحجة البالغة والبراهين الدامغة ، فلهذا يكون يوم القيامة أكثر الأنبياء تبعا .
[ ص: 539 ] كِتَابُ
nindex.php?page=treesubj&link=29629دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ
وَهِيَ مَعْنَوِيَّةٌ وَحِسِّيَّةٌ ؛ فَمِنَ الْمَعْنَوِيَّةِ
nindex.php?page=treesubj&link=31011إِنْزَالُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ عَلَيْهِ ، وَهُوَ أَعْظَمُ الْمُعْجِزَاتِ ، وَأَبْهَرُ الْآيَاتِ ، وَأَبْيَنُ الْحُجَجِ الْوَاضِحَاتِ ؛ لِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ التَّرْكِيبِ الْمُعْجِزِ الَّذِي تَحَدَّى بِهِ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ فَعَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ ، مَعَ تَوَافُرِ دَوَاعِي أَعْدَائِهِ عَلَى مُعَارَضَتِهِ وَفَصَاحَتِهِمْ وَبَلَاغَتِهِمْ . ثُمَّ تَحَدَّاهُمْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ فَعَجَزُوا ، ثُمَّ تَنَازَلَ إِلَى التَّحَدِّي بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ فَعَجَزُوا عَنْهُ ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ عَجْزَهُمْ وَتَقْصِيرَهُمْ عَنْ ذَلِكَ ، وَأَنَّ هَذَا مَا لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ إِلَيْهِ أَبَدًا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=88قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [ الْإِسْرَاءِ : 88 ] . وَهَذِهِ الْآيَةُ مَكِّيَّةٌ ، وَقَالَ فِي سُورَةِ " الطُّورِ " وَهِيَ مَكِّيَّةٌ :
nindex.php?page=tafseer&surano=52&ayano=33أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ [ الطُّورِ : 33 ، 34 ] . أَيْ ؛ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي أَنَّهُ قَالَهُ مِنْ عِنْدِهِ فَهُوَ بَشَرٌ مَثَلُكُمْ ، فَأَتَوْا بِمِثْلِ مَا جَاءَ بِهِ فَإِنَّكُمْ بَشَرٌ مِثْلُهُ . وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ " الْبَقَرَةِ " ، وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ مُعِيدًا لِلتَّحَدِّي :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=23وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [ الْبَقَرَةِ 23 ، 24 ] .
[ ص: 540 ] وَقَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=11&ayano=13أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ هُودٍ : 13 ، 14 ] وَقَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=10&ayano=37وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ [ يُونُسَ : 37 - 39 ] فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ الْخَلْقَ عَاجِزُونَ عَنْ مُعَارَضَةِ هَذَا الْقُرْآنِ ، بَلْ عَنْ عَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ ، بَلْ عَنْ سُورَةٍ مِنْهُ ، وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ ذَلِكَ أَبَدًا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=24فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا أَيْ ؛ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فِي الْمَاضِي وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، وَهَذَا تَحَدٍّ ثَانٍ ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مُعَارَضَتُهُ لَهُمْ لَا فِي الْحَالِ وَلَا فِي الْمَآلِ ، وَمِثْلُ هَذَا التَّحَدِّي إِنَّمَا يَصْدُرُ عَنْ وَاثِقٍ بِأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ لَا يُمْكِنُ الْبَشَرَ مُعَارَضَتُهُ وَلَا الْإِتْيَانُ بِمِثْلِهِ ، وَلَوْ كَانَ مِنْ مُتَقَوِّلٍ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ لَخَافَ أَنْ يُعَارَضَ ، فَيَفْتَضِحَ وَيَعُودَ عَلَيْهِ نَقِيضُ مَا قَصَدَهُ مِنْ مُتَابَعَةِ النَّاسِ لَهُ ، وَمَعْلُومٌ لِكُلِّ ذِي لُبٍّ أَنَّ
مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَعْقَلِ خَلْقِ اللَّهِ ، بَلْ أَعْقَلُهُمْ وَأَكْمَلُهُمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، فَمَا كَانَ لِيُقْدِمَ عَلَى هَذَا إِلَّا وَهُوَ عَالِمٌ بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مُعَارَضَتُهُ ، وَهَكَذَا وَقَعَ ، فَإِنَّ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِلَى زَمَانِنَا هَذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ بِنَظِيرِهِ وَلَا نَظِيرِ سُورَةٍ مِنْهُ ، وَهَذَا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ أَبَدًا ، فَإِنَّهُ كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ الَّذِي لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ مِنْ
[ ص: 541 ] خَلْقِهِ ؛ لَا فِي ذَاتِهِ ، وَلَا فِي صِفَاتِهِ ، وَلَا فِي أَفْعَالِهِ ، فَأَنَّى يُشْبِهُ كَلَامُ الْمَخْلُوقِينَ كَلَامَ الْخَالِقِ ؟! وَقَوْلُ كُفَّارِ
قُرَيْشٍ الَّذِي حَكَاهُ تَعَالَى عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=8&ayano=31وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [ الْأَنْفَالِ : 31 ] كَذِبٌ مِنْهُمْ وَدَعْوَى بَاطِلَةٌ بِلَا دَلِيلٍ وَلَا بُرْهَانٍ وَلَا حُجَّةٍ وَلَا بَيَانٍ ، وَلَوْ كَانُوا صَادِقِينَ لَأَتَوْا بِمَا يُعَارِضُهُ ، بَلْ هُمْ يَعْلَمُونَ كَذِبَ أَنْفُسِهِمْ ، كَمَا يَعْلَمُونَ كَذِبَ أَنْفُسِهِمْ فِي قَوْلِهِمْ :
nindex.php?page=tafseer&surano=25&ayano=5أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [ الْفَرْقَانِ : 5 ] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=25&ayano=6قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [ الْفَرْقَانِ : 6 ] أَيْ ؛ أَنْزَلَهُ عَالِمُ الْخَفِيَّاتِ ، وَرَبُّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ ، الَّذِي يَعْلَمُ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ يَكُونُ ، فَإِنَّهُ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي كَانَ لَا يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ وَلَا يَدْرِيهَا بِالْكُلِّيَّةِ ، وَلَا يَعْلَمُ شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الْأَوَائِلِ ، وَأَخْبَارِ الْمَاضِينَ ، فَقَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِ خَبَرَ مَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ عَلَى الْوَجْهِ الْوَاقِعِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَفْصِلُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ الَّذِي اخْتَلَفَتْ فِي إِيرَادِهِ جُمْلَةُ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=11&ayano=49تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [ هُودٍ : 49 ] وَقَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=20&ayano=99كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا [ طَهَ : 99 - 101 ] وَقَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=48وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ الْآيَةَ [ الْمَائِدَةِ : 48 ]
[ ص: 542 ] . وَقَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=48وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [ الْعَنْكَبُوتِ : 48 - 52 ] فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ نَفْسَ إِنْزَالِ هَذَا الْكِتَابِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى عِلْمِ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ ، وَحَكَمِ مَا هُوَ كَائِنٌ بَيْنَ النَّاسِ عَلَى مِثْلِ هَذَا النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ وَحْدَهُ كَافٍ فِي الدِّلَالَةِ عَلَى صِدْقِهِ ، وَقَالَ تَعَالَى
nindex.php?page=tafseer&surano=10&ayano=15وَإِذْ تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ [ يُونُسَ : 15 - 17 ] يَقُولُ لَهُمْ : إِنِّي لَا أُطِيقُ تَبْدِيلَ هَذَا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي ، وَإِنَّمَا
[ ص: 543 ] اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، هُوَ الَّذِي يَمْحُو مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ، وَأَنَا مُبَلِّغٌ عَنْهُ ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ صِدْقِي فِيمَا جِئْتُكُمْ بِهِ ؛ لِأَنِّي نَشَأْتُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ نَسَبِي وَصِدْقِي ، وَأَمَانَتِي ، وَأَنِّي لَمْ أَكْذِبْ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ ، فَكَيْفَ يَسَعُنِي أَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، مَالِكِ الضُّرِّ وَالنَّفْعِ ، الَّذِي هُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، وَبِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ؟! وَأَيُّ ذَنْبٍ عِنْدَهُ أَعْظَمُ مِنَ الْكَذِبِ عَلَيْهِ ، وَنِسْبَةِ مَا لَيْسَ مِنْهُ إِلَيْهِ ؟ كَمَا قَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=69&ayano=44وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ [ الْحَاقَّةِ : 44 - 47 ] أَيْ لَوْ كَذَبَ عَلَيْنَا لَانْتَقَمْنَا مِنْهُ أَشَدَّ الِانْتِقَامِ ، وَمَا اسْتَطَاعَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ أَنْ يَحْجِزَنَا عَنْهُ وَلَا يَمْنَعَنَا مِنْهُ .
وَقَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=93وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [ الْأَنْعَامِ : 93 ] وَقَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=19قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [ الْأَنْعَامِ : 19 ] وَهَذَا الْكَلَامُ فِيهِ الْإِخْبَارُ بِأَنَّ اللَّهَ شَهِيدٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، وَأَنَّهُ تَعَالَى أَعْظَمُ الشُّهَدَاءِ ، وَهُوَ مُطَّلِعٌ عَلَيَّ وَعَلَيْكُمْ فِيمَا جِئْتُكُمْ بِهِ عَنْهُ ، وَتَتَضَمَّنُ قُوَّةُ الْكَلَامِ قَسَمًا بِهِ أَنَّهُ قَدْ أَرْسَلَنِي إِلَى الْخَلْقِ لِأُنْذِرَهُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ ، فَمَنْ بَلَغَهُ مِنْهُمْ فَهُوَ نَذِيرٌ لَهُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=11&ayano=17وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ [ هُودٍ : 17 ] فَفِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنَ الْأَخْبَارِ الصَّادِقَةِ عَنِ اللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَعَرْشِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ الْعُلْوِيَّةِ وَالسُّفْلِيَّةِ ، كَالسَّمَاوَاتِ ، وَالْأَرْضِينَ ، وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا فِيهِنَّ ، أُمُورٌ عَظِيمَةٌ كَثِيرَةٌ مُبَرْهَنَةٌ بِالْأَدِلَّةِ
[ ص: 544 ] الْقَطْعِيَّةِ الْمُرْشِدَةِ إِلَى الْعِلْمِ بِذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ الصَّحِيحِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=89وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا [ الْإِسْرَاءِ : 89 ] وَقَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=29&ayano=43وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [ الْعَنْكَبُوتِ : 43 ] وَقَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=30&ayano=58وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [ الزُّمَرِ : 27 ، 28 ] وَفِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ الْإِخْبَارُ عَمَّا مَضَى عَلَى الْوَجْهِ الْحَقِّ ، وَبُرْهَانُهُ مَا فِي كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ ذَلِكَ شَاهِدًا لَهُ ، مَعَ كَوْنِهِ نَزَلَ عَلَى رَجُلٍ أُمِّيٍّ لَا يَعْرِفُ الْكِتَابَةَ وَلَمْ يُعَانِ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ شَيْئًا مِنْ عُلُومِ الْأَوَائِلِ ، وَلَا أَخْبَارِ الْمَاضِينَ ، فَلَمْ يُفْجَأَ النَّاسُ إِلَّا بِوَحْيٍ إِلَيْهِ عَمَّا كَانَ مِنَ الْأَخْبَارِ النَّافِعَةِ ، الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تُذْكَرَ لِلِاعْتِبَارِ بِهَا مِنْ أَخْبَارِ الْأُمَمِ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ ، وَمَا كَانَ مِنْ أُمُورِهِمْ مَعَهُمْ ، وَكَيْفَ نَجَّى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَأَهْلَكَ الْكَافِرِينَ ، بِعِبَارَةٍ لَا يَسْتَطِيعُ بَشَرٌ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهَا أَبَدَ الْآبِدِينَ ، وَدَهْرَ الدَّاهِرِينِ فَفِي مَكَانٍ تُقَصُّ الْقِصَّةُ مُوجَزَةً فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْفَصَاحَةِ ، وَتَارَةً تُبْسَطُ ، فَلَا أَحْلَى وَلَا أَجْلَى وَلَا أَعْلَى مِنْ ذَلِكَ السِّيَاقِ ، حَتَّى كَأَنَّ التَّالِيَ وَالسَّامِعَ مُشَاهِدٌ لِمَا كَانَ ، حَاضِرٌ لَهُ ، مُعَايِنٌ لِلْخَبَرِ بِنَفْسِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى
nindex.php?page=tafseer&surano=28&ayano=46وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [ الْقَصَصِ : 46 ] وَقَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=44وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيْهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [ آلِ عِمْرَانَ : 44 ] وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ يُوسُفَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=102ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ [ يُوسُفَ : 101 - 104 ]
[ ص: 545 ] إِلَى أَنْ قَالَ فِي آخِرِهَا
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=111لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [ يُوسُفَ : 111 ] وَقَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=20&ayano=133وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى [ طَهَ : 133 ] وَقَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=41&ayano=52قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [ فُصِّلَتْ : 52 ، 53 ] وَعَدَ تَعَالَى أَنَّهُ سَيُظْهِرُ آيَاتِ الْقُرْآنِ وَصِدْقَهُ وَصِدْقَ مَنْ جَاءَ بِهِ بِمَا يَخْلُقُهُ فِي الْآفَاقِ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ هَذَا الْكِتَابِ ، وَفِي نَفْسِ الْمُنْكِرِينَ لَهُ الْمُكَذِّبِينَ مَا فِيهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ وَبُرْهَانٌ قَاطِعٌ لِشُبَهِهِمْ ، حَتَّى يَسْتَيْقِنُوا أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَلَى لِسَانِ الصَّادِقِ ، ثُمَّ أَرْشَدَ إِلَى دَلِيلٍ مُسْتَقِلٍّ بِقَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=41&ayano=53أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ؛ أَيْ فِي الْعِلْمِ بِأَنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ كِفَايَةٌ فِي صِدْقِ هَذَا الْمُخْبِرِ عَنْهُ ، إِذْ لَوْ كَانَ مُفْتَرِيًا عَلَيْهِ لَعَاجَلَهُ بِالْعُقُوبَةِ الْبَلِيغَةِ ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ .
وَفِي هَذَا الْقُرْآنِ إِخْبَارٌ عَمَّا وَقَعَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ طِبْقَ مَا وَقَعَ سَوَاءً بِسَوَاءٍ ، وَكَذَلِكَ فِي الْأَحَادِيثِ حَسَبَ مَا قَرَّرْنَاهُ فِي كِتَابِنَا " التَّفْسِيرِ " ، وَمَا سَنَذْكُرُهُ مِنَ الْمَلَاحِمِ وَالْفِتَنِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=73&ayano=20عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ الْمُزَّمِّلِ : 20 ]
[ ص: 546 ] وَهَذِهِ السُّورَةُ مِنْ أَوَائِلِ مَا نَزَلَ
بِمَكَّةَ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ " اقْتَرَبَتْ " وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلَا خِلَافٍ :
nindex.php?page=tafseer&surano=54&ayano=45سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ [ الْقَمَرِ : 45 ، 46 ] وَقَعَ مِصْدَاقُ هَذِهِ الْهَزِيمَةِ يَوْمَ بَدْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ ، إِلَى أَمْثَالِ هَذَا مِنَ الْأُمُورِ الْبَيِّنَةِ الْوَاضِحَةِ ، وَسَيَأْتِي فَصْلٌ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي وَقَعَتْ بَعْدَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، طِبْقَ مَا أَخْبَرَ بِهِ .
وَفِي الْقُرْآنِ الْأَحْكَامُ الْعَادِلَةُ أَمْرًا وَنَهْيًا ، الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى الْحِكَمِ الْبَالِغَةِ الَّتِي إِذَا تَأَمَّلَهَا ذُو الْفَهْمِ وَالْعَقْلِ الصَّحِيحِ قَطَعَ بِأَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ إِنَّمَا أَنْزَلَهَا الْعَالِمُ بِالْخَفِيَّاتِ ، الرَّحِيمُ بِعِبَادِهِ ، الَّذِي يُعَامِلُهُمْ بِلُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ ، قَالَ تَعَالَى
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=115وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [ الْأَنْعَامِ : 115 ] ؛ أَيْ صِدْقًا فِي الْأَخْبَارِ وَعَدْلًا فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي . وَقَالَ تَعَالَى
nindex.php?page=tafseer&surano=11&ayano=1الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [ هُودٍ : 1 ] أَيْ ؛ أُحْكِمَتْ أَلْفَاظُهُ وَفُصِّلَتْ مَعَانِيهِ . وَقَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=9&ayano=33هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ [ التَّوْبَةِ : 33 ] أَيِ الْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ . وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ
عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ
لِكُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ : هُوَ كِتَابُ اللَّهِ ، فِيهِ
[ ص: 547 ] خَبَرُ مَا قَبْلَكُمْ ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ ، وَنَبَأُ مَا بَعْدَكُمْ . وَقَدْ بَسَطْنَا هَذَا كُلَّهُ فِي كِتَابِنَا " التَّفْسِيرِ " بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ
فَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ مُعْجِزٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ؛ مِنْ فَصَاحَتِهِ ، وَبَلَاغَتِهِ ، وَنَظْمِهِ ، وَتَرَاكِيبِهِ ، وَأَسَالِيبِهِ ، وَمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ الْإِخْبَارِ بِالْغُيُوبِ الْمَاضِيَةِ وَالْمُسْتَقْبَلَةِ ، وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَحْكَامِ الْمُحْكَمَةِ الْجَلِيَّةِ ، فَالتَّحَدِّي بِبَلَاغَةِ أَلْفَاظِهِ يَخُصُّ فُصَحَاءَ الْعَرَبِ ، وَالتَّحَدِّي بِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَعَانِي الصَّحِيحَةِ الْكَامِلَةِ - وَهِيَ أَعْظَمُ فِي التَّحَدِّي عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَّاءِ - يَعُمُّ جَمِيعَ أَهْلِ الْأَرْضِ مِنَ الْمِلَّتَيْنِ ؛ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ عُقَلَاءِ الْيُونَانِ وَالْهِنْدِ وَالْفَرَسِ وَالْقِبْطِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَصْنَافِ بَنِي آدَمَ فِي سَائِرِ الْأَقْطَارِ وَالْأَعْصَارِ ، وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّ الْإِعْجَازَ إِنَّمَا هُوَ مَنْ صَرْفِ دَوَاعِي الْكَفَرَةِ عَنْ مُعَارَضَتِهِ مَعَ إِمْكَانِ ذَلِكَ ، أَوْ هُوَ سَلْبُ قُدَرِهِمْ عَلَى ذَلِكَ ، فَقَوْلٌ بَاطِلٌ وَهُوَ مُفَرَّعٌ عَلَى اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ ، خَلَقَهُ اللَّهُ فِي بَعْضِ الْأَجْرَامِ ، وَلَا فَرْقَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ مَخْلُوقٍ وَمَخْلُوقٍ ، وَقَوْلُهُمْ هَذَا كُفْرٌ وَبَاطِلٌ ، وَلَيْسَ بِمُطَابِقٍ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، بَلِ الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ، تَكَلَّمَ بِهِ كَمَا شَاءَ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا فَالْخَلْقُ كُلُّهُمْ عَاجِزُونَ حَقِيقَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ وَلَوْ تَعَاضَدُوا وَتَظَاهَرُوا عَلَى ذَلِكَ ، بَلْ لَا تَقْدِرُ الرُّسُلُ الَّذِينَ هُمْ أَفْصَحُ الْخَلْقِ وَأَعْلَمُ الْخَلْقِ وَأَكْمَلُهُمْ أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِمِثْلِ كَلَامِ اللَّهِ ، وَهَذَا الْقُرْآنُ الَّذِي يُبَلِّغُهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ
[ ص: 548 ] اللَّهِ كَلَامٌ لَهُ أُسْلُوبٌ لَا يُشْبِهُ أَسَالِيبَ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَسَالِيبُ كَلَامِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمَحْفُوظَةُ عَنْهُ بِالسَّنَدِ الصَّحِيحِ إِلَيْهِ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِمِثْلِ أَسَالِيبِهِ فِي فَصَاحَتِهِ وَبَلَاغَتِهِ فِيمَا يَرُومُهُ مِنَ الْمَعَانِي بِأَلْفَاظِهِ الشَّرِيفَةِ ، بَلْ وَكَلَامُ الصَّحَابَةِ أُسْلُوبٌ أَعْلَى مِنْ أَسَالِيبِ كَلَامِ التَّابِعِينَ ، وَهَلُمَّ جَرًّا إِلَى زَمَانِنَا ، وَعُلَمَاءُ السَّلَفِ أَفْصَحُ وَأَعْلَمُ وَأَقَلُّ تَكَلُّفًا فِي أَدَاءِ مَا يُرِيدُونَهُ مِنَ الْمَعَانِي بِأَلْفَاظِهِمْ ، مِنْ عُلَمَاءِ الْخَلَفِ ، وَهَذَا يَشْهَدُهُ مَنْ لَهُ ذَوْقٌ بِكَلَامِ النَّاسِ ، كَمَا يُدْرَكُ تَفَاوُتُ مَا بَيْنَ أَشْعَارِ الْعَرَبِ فِي زَمَنِ الْجَاهِلِيَّةِ وَبَيْنَ أَشْعَارِ الْمُوَلَّدِينَ الَّذِينَ كَانُوا بَعْدَ ذَلِكَ .
وَلِهَذَا جَاءَ الْحَدِيثُ الثَّابِتُ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، وَهُوَ فِيمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ
أَحْمَدُ قَائِلًا : حَدَّثَنَا
حَجَّاجٌ ، ثَنَا
لَيْثٌ ، حَدَّثَنِي
سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ
nindex.php?page=showalam&ids=3أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
مَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحَيًّا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ
nindex.php?page=showalam&ids=12070الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ
اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ بِهِ . وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، كُلٌّ مِنْهُمْ قَدْ أُوتِيَ مِنَ الْحُجَجِ وَالدَّلَائِلِ عَلَى صِدْقِهِ وَصِحَّةِ مَا جَاءَ بِهِ عَنْ رَبِّهِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَحُجَّةٌ لِقَوْمِهِ الَّذِينَ بُعِثَ إِلَيْهِمْ ، سَوَاءٌ آمَنُوا بِهِ فَفَازُوا بِثَوَابِ إِيمَانِهِمْ ، أَوْ جَحَدُوا
[ ص: 549 ] فَاسْتَحَقُّوا الْعُقُوبَةَ ، وَقَوْلُهُ ،
وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ أَيْ جُلُّهُ وَأَعْظَمُهُ الْوَحْيُ الَّذِي أَوْحَاهُ إِلَيْهِ ، وَهُوَ الْقُرْآنُ الْحَجَّةُ الْمُسْتَمِرَّةُ الدَّائِمَةُ الْقَائِمَةُ فِي زَمَانِهِ وَبَعْدَهُ ، فَإِنَّ الْبَرَاهِينَ الَّتِي كَانَتْ لِلْأَنْبِيَاءِ انْقَرَضَ زَمَانُهَا فِي حَيَاتِهِمْ ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا الْخَبَرُ عَنْهَا ، وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَهُوَ حُجَّةٌ قَائِمَةٌ ، كَأَنَّمَا يَسْمَعُهُ السَّامِعُ مِنْ فَلْقٍ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحُجَّةُ اللَّهِ قَائِمَةٌ بِهِ فِي حَيَّاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَبَعْدَ وَفَاتِهِ ، وَلِهَذَا قَالَ
فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْ لِاسْتِمْرَارِ مَا آتَانِيَ اللَّهُ مِنَ الْحُجَّةِ الْبَالِغَةِ وَالْبَرَاهِينِ الدَّامِغَةِ ، فَلِهَذَا يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرَ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا .