الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              جزء صفحة
                                                                                              صحيح مسلم 4817 (3) بَابُ كَيْفِيَّةِ التَّفَقُّهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَالتَّحْذِيرِ مِنِ اتِّبَاعِ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ وَعَنِ الْمُمَارَاةِ فِيهِ [ 2596 ] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [آلِ عِمْرَانَ: 7] قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ". المفهم (3) وَمِنْ بَابِ كَيْفِيَّةِ التَّفَقُّهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ (قَوْلُهُ تَعَالَى : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: 3]) اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمُحْكَمَاتِ وَالْمُتَشَابِهَاتِ ، عَلَى أَقْوَالٍ كَثِيرَةٍ ، مِنْهَا أَنَّ الْمُحْكَمَ هُوَ النَّاسِخُ ، وَالْمُتَشَابِهُ هُوَ الْمَنْسُوخُ . وَمِنْهَا أَنَّ الْمُحْكَمَ هُوَ الْقُرْآنُ كُلُّهُ ، وَالْمُتَشَابِهُ الْحُرُوفُ الْمُقَطَّعَةُ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ . وَمِنْهَا : أَنَّ الْمُحْكَمَ آيَاتُ الْأَحْكَامِ ، وَالْمُتَشَابِهَ : آيَاتُ الْوَعِيدِ . وَمِنْهَا : أَنَّ الْمُتَشَابِهَ آيَاتُ إِبْهَامِ قِيَامِ السَّاعَةِ ، وَالْمُحْكَمُ : مَا عَدَاهَا . وَمِنْهَا : أَنَّ الْمُحْكَمَ مَا وَضَحَ مَعْنَاهُ وَانْتَفَى عَنْهُ الِاشْتِبَاهُ ، وَالْمُتَشَابِهُ : نَقِيضُهُ . وَهَذَا أَشْبَهُ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ جَارٍ عَلَى وَضْعِ اللِّسَانِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُحْكَمَ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ : أَحْكَمَ . وَالْإِحْكَامُ : الْإِتْقَانُ . وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ مَا كَانَ وَاضِحَ الْمَعْنَى لَا إِشْكَالَ فِيهِ ، وَلَا تَرَدُّدَ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ لِوُضُوحِ مُفْرَدَاتِ كَلِمَاتِهِ ، وَاتِّفَاقِ تَرْكِيبِهَا ، وَمَتَى اخْتَلَّ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ جَاءَ التَّشَابُهُ وَالْإِشْكَالُ ، وَإِلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ صَارَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَابْنُ إِسْحَاقَ . وَ ( قَوْلُهُ : هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ) أَيْ : أَصْلُهُ الَّذِي يَرْجِعُ إِلَيْهِ عِنْدَ الْإِشْكَالِ وَالِاسْتِدْلَالِ ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْفَاتِحَةُ : أُمَّ الْقُرْآنِ ، لِأَنَّهَا أَصْلُهُ ؛ إِذْ هِيَ آخِذَةٌ بِجُمْلَةِ عُلُومِهِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : الْمُحْكَمَاتُ : أُصُولُ مَا أُشْكِلَ مِنَ الْكِتَابِ ، فَتَعَيَّنَ رَدُّ مَا أَشْكَلَ مِنْهُ إِلَى مَا وَضَحَ مِنْهُ ، وَهَذَا أَيْضًا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ . وَ ( قَوْلُهُ : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ) الزَّيْغُ : الْمَيْلُ عَنِ الْحَقِّ ، وَابْتِغَاءُ الْفِتْنَةِ : طَلَبُ الْفِتْنَةِ ، وَهِيَ الضَّلَالُ . مُجَاهِدٌ : الشَّكُّ . وَتَأْوِيلُهُ مَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ ، وَكُنْهُ حَقِيقَتِهِ ، فَكَأَنَّهُمْ تَعَمَّقُوا فِي التَّأْوِيلِ طَلَبًا لِكُنْهِ الْأَمْرِ وَحَقِيقَتِهِ ، فَكُرِهَ لَهُمُ التَّعَمُّقُ . وَ ( قَوْلُهُ : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ) أَيْ : مَا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ مَا أُرِيدَ بِالْمُتَشَابِهِ إِلَّا اللَّهُ . وَالْوَقْفُ عَلَى (اللَّهِ) أَوْلَى . وَ ( قَوْلُهُ : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ) جُمْلَةٌ ابْتِدَائِيَّةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ ، مُقْتَضَاهَا : أَنَّ حَالَ الرَّاسِخِينَ عِنْدَ سَمَاعِ الْمُتَشَابِهِ الْإِيمَانُ وَالتَّسْلِيمُ ، وَتَفْوِيضُ عِلْمِهِ إِلَى الْخَبِيرِ الْعَلِيمِ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ . وَقِيلَ : وَالرَّاسِخُونَ : مَعْطُوفٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ، حُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْأَوَّلُ أَلْيَقُ وَأَسْلَمُ . وَ (قَوْلُهُ : " إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ ، فَاحْذَرُوهُمْ ") يَعْنِي : يَتَّبِعُونَهُ وَيَجْمَعُونَهُ طَلَبًا لِلتَّشْكِيكِ فِي الْقُرْآنِ ، وَإِضْلَالًا لِلْعَوَامِ ، كَمَا فَعَلَتْهُ الزَّنَادِقَةُ وَالْقَرَامِطَةُ الطَّاعِنُونَ فِي الْقُرْآنِ ، أَوْ طَلَبًا لِاعْتِقَادِ ظَوَاهِرِ الْمُتَشَابِهِ كَمَا فَعَلَتْهُ الْمُجَسِّمَةُ الَّذِينَ جَمَعُوا مَا وَقَعَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِمَّا يُوهِمُ ظَاهِرُهُ الْجِسْمِيَّةَ ، حَتَّى اعْتَقَدُوا أَنَّ الْبَارِئَ تَعَالَى جِسْمٌ مُجَسَّمٌ ، وَصُورَةٌ مُصَوَّرَةٌ ذَاتُ وَجْهٍ ، وَعَيْنٍ وَيَدٍ وَجَنْبٍ ، وَرِجْلٍ ، وَإِصْبَعٍ ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَحَذَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ سُلُوكِ طَرِيقِهِمْ . فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ ، فَلَا شَكَّ فِي كُفْرِهِمْ ، وَأَنَّ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمُ الْقَتْلُ مِنْ غَيْرِ اسْتِتَابَةٍ . وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي ، فَالصَّحِيحُ الْقَوْلُ بِتَكْفِيرِهِمْ ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ وَالصُّوَرِ ، وَيُسْتَتَابُونَ ؛ فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا قُتِلُوا ، كَمَا يُفْعَلُ بِمَنِ ارْتَدَّ . فَأَمَّا مَنْ يَتَّبِعُ الْمُتَشَابِهَ ، لَا عَلَى تِلْكَ الْجِهَتَيْنِ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى إِبْدَاءِ تَأْوِيلَاتِهَا ، وَإِيضَاحِ مَعَانِيهَا ، فَذَلِكَ مُخْتَلَفٌ فِي جَوَازِهِ بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ فِي جَوَازِ تَأْوِيلِهَا ، وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ تَرْكُ التَّعَرُّضِ لِتَأْوِيلَاتِهَا مَعَ قَطْعِهِمْ بِاسْتِحَالَةِ ظَوَاهِرِهَا . وَمَذْهَبُ غَيْرِهِمْ : إِبْدَاءُ تَأْوِيلَاتِهَا ، وَحَمْلُهَا عَلَى مَا يَصِحُّ حَمْلُهُ فِي اللِّسَانِ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ مُتَعَيِّنٍ مُحْمَلٍ مِنْهَا . وَأَمَّا مَنْ يَتَّبِعُ الْمُتَشَابِهَ عَلَى نَحْوِ مَا فَعَلَ صَبِيغٌ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِيهِ ، الْأَدَبُ الْبَلِيغُ . وَالرَّاسِخُ فِي الْعِلْمِ : هُوَ الثَّابِتُ فِيهِ ، الْمُتَمَكِّنُ مِنْهُ .

                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                              الخدمات العلمية