الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              جزء صفحة
                                                                                              صحيح مسلم 4795 (6) بَابُ مُحَاجَّةِ آدَمَ مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ [ 2579 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى عِنْدَ رَبِّهِمَا ، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ، قَالَ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ، ثُمَّ أَهْبَطْتَ النَّاسَ بِخَطِيئَتِكَ إِلَى الْأَرْضِ؛ فَقَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ، وَأَعْطَاكَ الْأَلْوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ، وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا فَبِكَمْ وَجَدَتِ اللَّهَ كُتُبُ التَّوْرَاةِ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَامًا . قَالَ آدَمُ: فَهَلْ وَجَدْتَ فِيهَا: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [طه: 121] قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عَمِلْتُ عَمَلًا كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى" . رَوَاهُ أَحْمَدُ ( 2 \ 264 )، وَالْبُخَارِيُّ (3409)، وَمُسْلِمٌ (2652) (15)، وَالتِّرْمِذِيُّ (2134). المفهم (6) وَمِنْ بَابِ : مُحَاجَّةِ آدَمَ وَمُوسَى ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ (قَوْلُهُ : " احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى عِنْدَ رَبِّهِمَا ") ظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ ، وَهَذِهِ الْمُحَاجَّةُ أَنَّهُمَا الْتَقَيَا بِأَشْخَاصِهِمَا ، وَهَذَا كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَنْبِيَاءِ مِنْ إِحْيَائِهِمْ بَعْدَ الْمَوْتِ كَالشُّهَدَاءِ ، بَلْ هُمْ أَوْلَى بِذَلِكَ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِقَاءَ أَرْوَاحٍ ، وَقَدْ قَالَ بِكُلِّ قَوْلٍ مِنْهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ عُلَمَائِنَا ، وَهَذِهِ الْعِنْدِيَّةُ عِنْدِيَّةُ اخْتِصَاصٍ وَتَشْرِيفٍ ، لَا عِنْدِيَّةُ مَكَانٍ ، فَإِنَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ ، وَإِنَّمَا هِيَ كَمَا قَالَ تَعَالَى : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [الْقَمَرِ: 54 - 55] أَيْ : فِي مَحَلِّ التَّشْرِيفِ وَالْإِكْرَامِ وَالِاخْتِصَاصِ . وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ بَعْضُهُمْ ، وَزَادَ فِيهِ : إِنَّ هَذَا اللِّقَاءَ كَانَ بَعْدَ أَنْ سَأَلَ مُوسَى ، فَقَالَ : يَا رَبِّ أَرِنَا آدَمَ الَّذِي أَخْرَجَنَا وَنَفْسَهُ مِنَ الْجَنَّةِ ، فَأَرَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ ، فَقَالَ : أَنْتَ آدَمُ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَ (قَوْلُهُ : " فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ") أَيْ : غَلَبَهُ بِالْحُجَّةِ . يُقَالُ : حَاجَجْتُ فُلَانًا فَحَجَجْتُهُ ، أَيْ : غَلَبْتُهُ . وَ (قَوْلُهُ : " أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ ") هُوَ اسْتِفْهَامُ تَقْرِيرٍ وَإِضَافَةُ اللَّهِ خَلْقَ آدَمَ إِلَى يَدِهِ إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ ، وَيَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِالْيَدِ هُنَا : الْقُدْرَةُ وَالنِّعْمَةُ ، إِذْ كِلَاهُمَا مَوْجُودٌ فِي اللِّسَانِ مُسْتَعْمَلٌ فِيهِ ، فَأَمَّا يَدُ الْجَارِحَةِ فَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ قَطْعًا . وَ (قَوْلُهُ : " وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ ) يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ (مِنْ) زَائِدَةً عَلَى الْمَذْهَبِ الْكُوفِيِّ . وَنَفَخَ : بِمَعْنَى خَلَقَ ، أَيْ : خَلَقَ فِيكَ رُوحَهُ ، فَأَضَافَ الرُّوحَ إِلَيْهِ عَلَى جِهَةِ الْمُلْكِ تَخْصِيصًا وَتَشْرِيفًا ، كَمَا قَالَ : بَيْتِي ، وَعِبَادِي . وَاسْتَعَارَ لِـ (خَلَقَ) : نَفَخَ ، لِأَنَّ الرُّوحَ مِنْ نَوْعِ الرِّيحِ ، وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا آخَرَ ، وَاللَّهُ بِمُرَادِهِ أَعْلَمُ ، وَالتَّسْلِيمُ لِلْمُتَشَابِهَاتِ أَسْلَمُ ، وَهِيَ طَرِيقَةُ السَّلَفِ وَأَهْلِ الِاقْتِدَاءِ مِنَ الْخَلَفِ . وَ (قَوْلُهُ فِي الْأُمِّ : " أَنْتَ الَّذِي خَيَّبْتَنَا ، وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الْجَنَّةِ ") أَيْ : كُنْتَ سَبَبَ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : " أَنْتَ الَّذِي أَغْوَيْتَ النَّاسَ " أَيْ : كُنْتَ سَبَبَ غَوَايَةِ مَنْ غَوَى مِنْهُمْ ، وَالْغَوَايَةُ ضِدُّ الرُّشْدِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [الْبَقَرَةِ: 256] وَقَدْ يُرَادُ بِهَا الْخَطَأُ ، وَعَلَيْهَا يُحْمَلُ : وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [طه: 121] أَيْ : أَخْطَأَ صَوَابَ مَا أُمِرَ بِهِ ، وَهَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَ (قَوْلُهُ : " وَأَعْطَاكَ الْأَلْوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ ") يَعْنِي : الْأَلْوَاحَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا : وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [الْأَعْرَافِ: 145] وَهِيَ جَمْعُ لَوْحٍ ، بِفَتْحِ اللَّامِ ، وَسُمِّيَ بِمَصْدَرِ لَاحَ الشَّيْءُ يَلُوحُ لَوْحًا : إِذَا ظَهَرَ ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِظُهُورِ مَا يُكْتَبُ فِيهِ . فَأَمَّا اللُّوحُ - بِضَمِّ اللَّامِ - فَهُوَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ . قَالَ مُجَاهِدٌ : كَانَتِ الْأَلْوَاحُ سَبْعَةً مِنْ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ . وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ : مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ . وَمَعْنَى كَتَبْنَا : أَمْرَنَا مِنْ يَكْتُبُ ، أَوْ خَلَقَ فِيهَا قَوْمًا وَخُطُوطًا مَكْتُوبَةً مِثْلَ الَّذِي يُكْتَبُ بِالْأَقْلَامِ . وَقَوْلُهُ : مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَيْ : كُلِّ شَيْءٍ قُصِدَ إِلَى تَبْيِينِهِ ، أَوْ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ شَيْئًا ، أَوْ مِنْ كُلِّ أَصْلٍ فَرْعًا . وَ (قَوْلُهُ : " وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا ") أَيْ : لِلْمُنَاجَاةِ وَهِيَ : الْمُسَارَّةُ . وَالتَّقْرِيبُ : بِالْمَرْتَبَةِ ، لَا بِالْمَوْضِعِ وَالْمَكَانِ . وَ (قَوْلُهُ : " أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عَمِلْتُ عَمَلًا كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً " . قَالَ : فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ) ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ آدَمَ إِنَّمَا غَلَبَ مُوسَى بِالْحُجَّةِ ؛ لِأَنَّهُ اعْتَذَرَ بِمَا سَبَقَ لَهُ مِنَ الْقَدَرِ عَمَّا صَدَرَ عَنْهُ مِنَ الْمُخَالَفَةِ ، وَقُبِلَ عُذْرُهُ ، وَقَامَتْ بِذَلِكَ حُجَّتُهُ ؛ فَإِنْ صَحَّ هَذَا لَزِمَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْتَجَّ بِهِ كُلُّ مَنْ عَصَى وَيَعْتَذِرُ بِذَلِكَ فَيُقْبَلُ عُذْرُهُ ، وَتَثْبُتُ حُجَّتُهُ ، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ لِلْعُصَاةِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ ، وَهُوَ مُنَاقِضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ [الْأَنْعَامِ: 149] وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ فَقِيلَ : إِمَّا غَلَبَهُ آدَمُ بِالْحُجَّةِ ، لِأَنَّ آدَمَ أَبُو مُوسَى ، وَمُوسَى ابْنٌ ، وَلَا يَجُوزُ لَوْمُ الِابْنِ أَبَاهُ ، وَلَا عُتْبَهُ . قُلْتُ : وَهَذَا نَأْيٌ عَنْ مَعْنَى الْحَدِيثِ ، وَعَمَّا سِيقَ لَهُ ، وَقِيلَ : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّ مُوسَى قَدْ كَانَ عَلِمَ مِنَ التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ تِلْكَ الْأَكْلَةَ سَبَبُ إِهْبَاطِهِ مِنَ الْجَنَّةِ ، وَسُكْنَاهُ الْأَرْضَ ، وَنَشَرَ نَسْلَهُ فِيهَا لِيُكَلِّفَهُمْ وَيَمْتَحِنَهُمْ وَيُرَتِّبَ عَلَى ذَلِكَ ثَوَابَهُمْ وَعِقَابَهُمُ الْأُخْرَوِيَّ . قُلْتُ : وَهَذَا إِبْدَاءُ حِكْمَةِ تِلْكَ الْأَكْلَةِ ، لَا انْفِصَالَ عَنْ إِلْزَامِ تِلْكَ الْحُجَّةِ ، وَالسُّؤَالُ بَاقٍ لَمْ يَنْفَصِلْ عَنْهُ . وَقِيلَ : إِنَّمَا تَوَجَّهَتْ حُجَّتُهُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ مِنَ التَّوْرَاةِ مَا ذَكَرُوا أَنَّ اللَّهَ تَابَ عَلَيْهِ وَاجْتَبَاهُ وَأَسْقَطَ عَنْهُ اللَّوْمَ وَالْعُتْبَ . فَلَوْمُ مُوسَى وَعُتْبُهُ لَهُ - مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَ الْمَعْصِيَةَ وَقَضَى بِالتَّوْبَةِ ، وَبِإِسْقَاطِ اللَّوْمِ وَالْمُعَاتَبَةِ ، حَتَّى صَارَتْ تِلْكَ الْمَعْصِيَةُ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ - وَقَعَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ ، وَعَلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ ، وَكَانَ هَذَا مِنْ مُوسَى نِسْبَةَ جَفَاءٍ فِي حَالَةِ صَفَاءٍ ، كَمَا قَالَ بَعْضُ أَرْبَابِ الْإِشَارَاتِ : ذِكْرُ الْجَفَاءِ فِي حَالِ الصَّفَاءِ جَفَاءٌ . وَهَذَا الْوَجْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَشْبَهُ مَا ذُكِرَ ، وَبِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ ذَلِكَ الْإِلْزَامَ لَا يَلْزَمُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                              الخدمات العلمية