الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              جزء صفحة
                                                                                              صحيح مسلم 4786 (3) بَابُ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ [ 2573 ] عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ ثُمَّ قَالَ: " مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ، إِلَّا وَقَدْ كَتَبَ اللَّهُ مَكَانَهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، إِلَّا وَقَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً" . قَالَ : فَقَالَ رَجَلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفَلَا نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ فَقَالَ: "مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ" فَقَالَ: "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ" ، ثُمَّ قَرَأَ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [اللَّيْلِ: 5-10]. وَفِي رِوَايَةٍ : أَفَلَا نَتَّكِلُ (مَكَانَ) نَمْكُثُ؛ قَالَ : "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ" . ثُمَّ قَرَأَ الْآيَةَ . رَوَاهُ أَحْمَدُ ( 1 \ 82 )، وَالْبُخَارِيُّ (4947)، وَمُسْلِمٌ (2647) (6 وَ 7)، وَالتِّرْمِذِيُّ (2136)، وَابْنُ مَاجَهْ (78). المفهم (3) وَمِنْ بَابِ : قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ " بَقِيعُ الْغَرْقَدِ : مَدْفَنُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ . وَالْمِخْصَرَةُ : قَضِيبٌ كَانَ يُمْسِكُهُ بِيَدِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ عَلَى عَادَةِ رُؤَسَاءِ الْعَرَبِ ؛ فَإِنَّهُمْ يُمْسِكُونَهَا وَيُشِيرُونَ بِهَا ، وَيَصِلُونَ بِهَا كَلَامَهُمْ . وَجَمْعُهَا مَخَاصِرُ ، وَالْفِعْلُ مِنْهَا : تَخَصَّرَ . حَكَاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ . وَالنَّكْتُ بِهَا فِي الْأَرْضِ : تَحْرِيكُ الْأَرْضِ بِهَا ، وَهَذَا فِعْلُ الْمُتَفَكِّرِ الْمُعْتَبِرِ . وَ (قَوْلُهُ : أَفَلَا نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا) حَاصِلُ هَذَا السُّؤَالِ أَنَّهُ إِذَا وَجَبَتِ السَّعَادَةُ وَالشَّقَاوَةُ بِالْقَضَاءِ الْأَزَلِيِّ ، وَالْقَدَرِ الْإِلَهِيِّ ، فَلَا فَائِدَةَ لِلتَّكْلِيفِ ، وَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى الْعَمَلِ ، فَنَتْرُكُهُ ، وَهَذِهِ أَعْظَمُ شُبَهِ النَّافِينَ لِلْقَدَرِ . وَقَدْ أَجَابَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا لَا يَبْقَى مَعَهُ إِشْكَالٌ ، فَقَالَ : " اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ " ثُمَّ قَرَأَ : فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى الْآيَاتِ [اللَّيْلِ: 5-6] ، وَوَجْهُ الِانْفِصَالِ : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنَا بِالْعَمَلِ ، فَلَا بُدَّ مِنِ امْتِثَالِ أَمْرِهِ ، وَغَيَّبَ عَنَّا الْمَقَادِيرَ لِقِيَامِ حُجَّتِهِ وَزَجْرِهِ . وَنَصْبُ الْأَعْمَالِ عَلَامَةً عَلَى مَا سَبَقَ فِي مَشِيئَتِهِ وَحِكْمَتِهِ ، وَعِزِّهِ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ لَا يَبْقَى مَعَهَا لِقَائِلٍ مَقُولٌ ، وَقَهَرَ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الْأَنْبِيَاءِ: 23] يَخْضَعُ لَهُ الْمُتَكَبِّرُونَ . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ مَوْرِدَ التَّكْلِيفِ : فِعْلُ الِاخْتِيَارِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُنَاقِضًا لِمَا سَبَقَتْ بِهِ الْأَقْدَارُ . وَ (قَوْلُهُ : فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى أَيِ : الْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ . ابْنُ عَبَّاسٍ : حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى . الْحَسَنُ : الصِّدْقَ مِنْ قَلْبِهِ . وَاتَّقَى أَيْ : رَبَّهُ . ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ : مَحَارِمَهُ . مُجَاهِدٌ : الْبُخْلَ . وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى أَيِ : الْكَلِمَةِ الْحُسْنَى ؛ وَهِيَ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ . الضَّحَّاكُ : بِمَوْعُودِ اللَّهِ . قَتَادَةُ : بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ . زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فَسَنُيَسِّرُهُ ، أَيْ : نُهَوِّنُ عَلَيْهِ وَنُهَيِّئُهُ لِلْيُسْرَى أَيْ : لِلْحَالَةِ الْيُسْرَى مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالْخَيْرِ الرَّاجِحِ . وَقِيلَ : لِلْجَنَّةِ . وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ أَيْ : بِمَالِهِ ، ابْنُ عَبَّاسٍ . وَقَالَ قَتَادَةُ : بِحَقِّ اللَّهِ . وَاسْتَغْنَى بِمَالِهِ ، عَنِ الْحَسَنِ . ابْنُ عَبَّاسٍ : عَنْ رَبِّهِ . وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى أَيْ : بِالْجَنَّةِ . وَالْعُسْرَى : نَقِيضُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْيُسْرَى . و تَرَدَّى هَلَكَ بِالْجَهْلِ وَالْكُفْرِ ، وَفِي الْآخِرَةِ بِعَذَابِ اللَّهِ .

                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                              الخدمات العلمية