صحيح مسلم
4672 [ 2481 ] وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أم السائب - أو أم المسيب - فقال: "ما لك يا أم السائب - أو يا أم المسيب - تزفزفين؟ قالت: الحمى ! لا بارك الله فيها، فقال: لا تسبي الحمى فإنها تذهب خطايا بني آدم ، كما يذهب الكير خبث الحديد" .
رواه مسلم (2575).
المفهم
[ ص: 548 ] و (قوله : " ما لك يا أم السائب ! تزفزفين ") جميع رواة مسلم روى هذه الكلمة بالزاي والفاء فيهما ، ويقال بضم التاء وفتحها من الزفزفة ، وهي صوت حفيف الريح . يقال : زفزفت الريح الحشيش : أي حركته ، وزفزف النعام في طيرانه : أي : حرك جناحيه ، وقد رواه بعض الرواة بالقاف والراء ، قال أبو مروان بن سراج : يقال : بالقاف وبالفاء بمعنى واحد ، بمعنى ترعدين .
قلت : ورواية الفاء أعرف رواية ، وأصح معنى ، وذلك أن الحمى تكون معها حركة ضعيفة ، وحس صوت يشبه الزفزفة التي هي حركة الريح وصوتها في الشجر . وقالوا : ريح زفزافة وزفزف . وأما الرقرقة بالراء والقاف : في التلألؤ واللمعان . ومنه : رقراق السراب ، ورقراق الماء : ما ظهر من لمعانه ، غير أنه لا يظهر لمعانه إلا إذا تحرك وجاء وذهب ، فلهذا حسن أن يقال : مكان الرقراقة ، لكن تفارق الزفزفة الرقرقة بأن الزفزفة معها صوت ، وليس ذلك مع الرقرقة ، فانفصلا .
و (قوله : " لا تسبي الحمى ") مع أنها لم تصرح بسب الحمى ، وإنما دعت عليها بألا يبارك فيها ، غير أن مثل هذا الدعاء تضمن تنقيص المدعو عليه وذمه ، فصار ذلك كالتصريح بالذم والسب ، ففيه ما يدل على أن التعريض والتضمين كالتصريح في الدلالة ، فيحد كل من يفهم عنه القذف من لفظه ؛ وإن لم يصرح به ، وهو مذهب مالك كما تقدم .
و (قوله : " فإنها تذهب خطايا بني آدم ") هذا تعليل لمنع سب الحمى لما [ ص: 549 ] يكون عنها من الثواب ، فيتعدى ذلك لكل مشقة ، أو شدة يرتجى عليها ثواب ، فلا ينبغي أن يذم شيء من ذلك ، ولا يسب . وحكمة ذلك : أن سب ذلك إنما يصدر في الغالب عن الضجر ، وضعف الصبر ، أو عدمه ، وربما يفضي بصاحبه إلى السخط المحرم ، مع أنه لا يفيد ذلك فائدة ، ولا يخفف ألما .


