الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              جزء صفحة
                                                                                              صحيح مسلم 4381 (33) بَابٌ فِي ذِكْرِ يُونُسَ وَيُوسُفَ وَزَكَرِيَّا عَلَيْهِمُ السَّلَامُ [ 2287 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ - يَعْنِي: اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى -: "لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ لِي وَفِي رِوَايَةٍ: لِعَبْدِي - أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى". رَوَاهُ أَحْمَدُ ( 2 \ 405 )، وَالْبُخَارِيُّ (4631)، وَمُسْلِمٌ ( 2376)، وَأَبُو دَاوُدَ (4669). [ 2288 ] وَعَنِ ابْنَ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى. وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ ( 1 \ 242 )، وَالْبُخَارِيُّ (3413)، وَمُسْلِمٌ (2377). المفهم (33) وَمِنْ بَابِ ذِكْرِ يُونُسَ وَيُوسُفَ وَزَكَرِيَّا - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - .. قَوْلُهُ: " لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى " أَيْ: لَا يَصْلُحُ، وَلَا يَجُوزُ. وَ " لِعَبْدٍ ": مُنَوَّنٌ مُنَكَّرٌ، أَيْ: لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: " لِعَبْدِي " بِإِضَافَتِهِ إِلَى يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ النَّكِرَةُ، فَتَكُونُ إِضَافَتُهُ غَيْرَ مَحْضَةٍ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: وَسَائِلِي بِمُعْجِزِي عَنْ وَطَنِي مَا ضَاقَ بِي جَنَابُهُ وَلَا نَبَا فَأَدْخَلَ " رُبَّ " عَلَى " سَائِلِي " مَعَ أَنَّهُ مُضَافٌ إِلَى يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ، فَدَلَّ عَلَى: أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ سَائِلًا وَاحِدًا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَرُبَّ سَائِلٍ، وَكَذَلِكَ الْوَطَنُ فِي قَوْلِهِ: عَنْ وَطَنِي، لِأَنَّ الْجُمْلَةَ الَّتِي بَعْدَهُ صِفَةٌ لَهُ، أَيْ: عَنْ وَطَنٍ لَمْ يَنْبُ بِي جَنَابُهُ، أَيْ: غَيْرُ نَابٍ. وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ إِضَافَةُ " عَبْدِي " مَحْضَةً وَمُعَرَّفَةً، وَيَعْنِي بِهِ: عَبْدِي الْمُكَرَّمُ عِنْدِي، كَمَا قَالَ: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [الْحِجْرِ: 42] أَيْ: عِبَادِي الْمُكَرَّمُونَ عِنْدِي، وَالْمُشَرَّفُونَ لَدَيَّ، وَقَدْ شَهِدَ لِهَذَا الْمَعْنَى مَا قَدْ رُوِيَ فِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: " لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ "، كَمَا قَدْ رُوِيَ أَيْضًا مَا يَشْهَدُ بِتَنْكِيرِ " عَبْدٍ " فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ : " لَا أَقُولُ: إِنَّ أَحَدًا أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ "، وَعَلَى هَذَا فَيُقَيَّدُ مُطْلَقُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى بِمُقَيَّدِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ نَبِيٍّ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ . وَهَذَا هُوَ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مَنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ لَا يُمْكِنُهُ بِوَجْهٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا أَفْضَلُ مِنَ النَّبِيِّ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ الضَّرُورِيِّ عِنْدَ الْمُتَشَرِّعِينَ: أَنَّ دَرَجَةَ النَّبِيِّ لَا يَبْلُغُهَا وَلِيٌّ، وَلَا غَيْرُهُ، وَإِنَّمَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي الْأَنْبِيَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ قَدْ تَسَاوَوْا فِي النُّبُوَّةِ، وَتَفَاضَلُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ بِمَا خَصَّ بِهِ بَعْضَهُمْ دُونَ بَعْضٍ، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنِ اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا، وَمِنْهُمْ مَنِ اتَّخَذَهُ حَبِيبًا، وَمِنْهُمْ أُولُو الْعَزْمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ عَلَى مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ أَحْوَالِهِمْ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [الْبَقَرَةِ: 253] فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانُوا مُتَفَاضِلِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ فَكَيْفَ يَنْهَى عَنِ التَّفْضِيلِ؟ وَكَيْفَ لَا يَقُولُ مَنْ هُوَ فِي دَرَجَةٍ عُلْيَا: أَنَا خَيْرٌ مِنْ فُلَانٍ، لِمَنْ هُوَ دُونَهُ، عَلَى جِهَةِ الْإِخْبَارِ عَنِ الْمَعْنَى الصَّحِيحِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ مُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ الْمَنْعُ مِنْ إِطْلَاقِ ذَلِكَ اللَّفْظِ، لَا الْمَنْعُ مِنَ اعْتِقَادِ مَعْنَاهُ أَدَبًا مَعَ يُونُسَ ، وَتَحْذِيرًا مِنْ أَنْ يُفْهَمَ فِي يُونُسَ نَقْصٌ مِنْ إِطْلَاقِ ذَلِكَ اللَّفْظِ. وَإِنَّمَا خَصَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالذِّكْرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا دَعَا قَوْمَهُ لِلدُّخُولِ فِي دِينِهِ، فَأَبْطَؤُوا عَلَيْهِ ضَجِرَ، وَاسْتَعْجَلَ بِالدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ، وَوَعَدَهُمْ بِالْعَذَابِ بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَفَرَّ مِنْهُمْ، فَرَأَى قَوْمُهُ دُخَانًا، وَمُقَدِّمَاتِ الْعَذَابِ الَّذِي وَعَدَهُمْ بِهِ، فَآمَنُوا بِهِ، وَصَدَّقُوهُ، وَتَابُوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَرَدُّوا الْمَظَالِمَ حَتَّى رَدُّوا حِجَارَةً مَغْصُوبَةً كَانُوا بَنَوْهَا، ثُمَّ إِنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ الْأُمَّهَاتِ وَأَوْلَادِهِمْ، وَدَعَوُا اللَّهَ تَعَالَى، وَضَجُّوا بِالْبُكَاءِ وَالْعَوِيلِ، وَخَرَجُوا طَالِبِينَ يُونُسَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ، وَمَتَّعَهُمْ إِلَى حِينٍ، وَهُمْ أَهْلُ نِينَوَى مِنْ بِلَادِ الْمُوصِلِ عَلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ ، ثُمَّ إِنَّ يُونُسَ رَكِبَ فِي سَفِينَةٍ فَسَكَنَتْ وَلَمْ تَجْرِ، فَقَالَ أَهْلُهَا: فِيكُمْ آبِقُ. فَقَالَ: أَنَا هُوَ. فَأَبَوْا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْآبِقَ فَقَارَعَهُمْ، فَخَرَجَتِ الْقُرْعَةُ عَلَيْهِ، فَرُمِيَ فِي الْبَحْرِ، فَالْتَقَمَهُ حُوتٌ كَبِيرٌ، فَأَقَامَ فِي بَطْنِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي عَدَدِ ذَلِكَ مِنْ يَوْمٍ إِلَى أَرْبَعِينَ، وَهُوَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ يَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى، وَيُسَبِّحُهُ إِلَى أَنْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ، فَلَفَظَهُ الْحُوتُ فِي سَاحِلٍ لَا نَبَاتَ فِيهِ، وَهُوَ كَالْفَرْخِ، فَأَنْبَتَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ مِنْ حِينِهِ شَجَرَةَ الْيَقْطِينِ، فَسَتَرَتْهُ بِوَرَقِهَا. وَحَكَى أَهْلُ التَّفْسِيرِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَيَّضَ لَهُ أُرْوِيَّةً تُرْضِعُهُ إِلَى أَنْ قَوِيَ، فَيَبِسَتِ الشَّجَرَةُ، فَاغْتَمَّ لَهَا وَتَأَلَّمَ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَغْتَمُّ وَتَحْزَنُ لِهَلَاكِ شَجَرَةٍ، وَلَمْ تَغْتَمَّ عَلَى هَلَاكِ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ؟ وَقَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذُكِرَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [الصَّافَّاتِ: 139 - 140] الْآيَاتِ إِلَى آخِرِهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ لِلنُّبُوَّةِ أَثْقَالًا، وَإِنَّ يُونُسَ تَفَسَّخَ تَحْتَهَا تَفَسُّخَ الرُّبَعِ " أَوْ كَمَا قَالَ. قُلْتُ: وَلَمَّا جَرَى هَذَا لِيُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَطْلَقَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ: أَنَّهُ مُلِيمٌ، أَيْ: أَتَى بِمَا يُلَامُ عَلَيْهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ "؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُوهِمُ نَقْصًا فِي نُبُوَّتِهِ، وَقَدْحًا فِي دَرَجَتِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ " لِعَبْدٍ " هُنَا بِمَعْنَى لِنَبِيٍّ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَكُونُ مَعْنَاهُ: لَا يَظُنَّ أَحَدٌ مِمَّنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ - وَإِنْ بَلَغَ مِنَ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ وَالْمَنَازِلِ الرَّفِيعَةِ، وَالْمَقَامَاتِ الشَّرِيفَةِ الْغَايَةَ الْقُصْوَى - أَنَّهُ يَبْلُغُ مَرْتَبَةَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ مَرَاتِبِ النُّبُوَّةِ لَا يَلْحَقُهَا مَنْ لَيْسَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَهَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ، وَالَّذِي صَدَّرْنَا بِهِ الْكَلَامَ أَحْسَنُ مِنْهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                              الخدمات العلمية