الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة

ابن القيم - أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية

جزء صفحة
فَصْلٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ : " مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ " فَعِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ الْجَمِيعُ قَضَاؤُهُ وَالْجَمِيعُ عَدْلٌ مِنْهُ فِي عَبْدِهِ ، لَا بِمَعْنَى كَوْنِهِ مُتَصَرِّفًا فِيهِ بِمُجَرَّدِ الْقُدْرَةِ وَالْمَشِيئَةِ ، بَلْ بِوَضْعِ الْقَضَاءِ فِي مَوْضِعِهِ وَإِصَابَةِ مَحَلِّهِ ، فَكُلُّ مَا قَضَاهُ عَلَى عَبْدِهِ فَقَدْ وَضَعَهُ مَوْضِعَهُ اللَّائِقَ بِهِ وَأَصَابَ بِهِ مَحَلَّهُ الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ فَلَمْ يَظْلِمْهُ بِهِ ، أَمَّا الْعُقُوبَاتُ وَالْمَصَائِبُ فَالْأَمْرُ فِيهَا ظَاهِرٌ ، إِذْ هِيَ عَدْلٌ مَحْضٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) . وَأَمَّا الْآلَامُ الَّتِي تُصِيبُ الْعَبْدَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ ، كَالْآلَامِ الَّتِي تَنَالُ غَيْرَ الْمُكَلَّفِينَ كَالْأَطْفَالِ وَالْمَجَانِينِ وَالْبَهَائِمِ ، فَقَدْ خَاضَ النَّاسُ فِي أَسْبَابِهَا وَحِكَمِهَا قَدِيمًا ، وَحَدِيثًا وَتَبَايَنَتْ طُرُقُهُمْ فِيهَا بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهَا عَدْلٌ ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي وَجْهِ كَوْنِهَا عَدْلًا فَالْجَبْرِيَّةُ تُثْبِتُ عَلَى أُصُولِهَا فِي أَنَّ كُلَّ وَاقِعٍ أَوْ مُمْكِنٍ عَدْلٌ ، وَالْقَدَرِيَّةُ جَعَلَتْ وَجْهَ كَوْنِهِ عَدْلًا ، وُقُوعُهَا بِسَبَبِ جُرْمٍ سَابِقٍ أَوْ عِوَضٍ لَاحِقٍ ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَعْتَبِرُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَشْتَمِلَ عَلَى غَيْرِهِ ، قَالُوا فَوُقُوعُهَا عَلَى وَجْهِ الْعُقُوبَةِ بِالْجُرْمِ وَالتَّعْوِيضِ بِخُرُوجِهَا عَنْ كَوْنِهَا ظُلْمًا ، وَبِقَصْدِ الْعِبْرَةِ تُخْرِجُ كَوْنَهَا سَفَهًا ، وَأَمَّا الْفَلَاسِفَةُ فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا ذَلِكَ مِنْ لَازِمِ الْخِلْقَةِ فِيهِ وَمُقْتَضَيَاتِ النَّشْأَةِ الْحَيَوَانِيَّةِ ، وَقَالُوا : لَيْسَ فِي الْإِمْكَانِ إِلَّا ذَلِكَ ، وَلَوْ فُرِضَ غَيْرُ ذَلِكَ لَكَانَ غَيْرُ هَذَا الْعَالَمِ ، فَإِنَّ تَرْكِيبَ الْحَيَوَانِ الَّذِي يَكُونُ وَيَفْسُدُ يَقْتَضِي أَنْ تَعْرِضَ لَهُ الْآلَامُ كَمَا يَعْرِضُ لَهُ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ وَالضَّجَرُ وَنَحْوُهَا ، وَقَالُوا : رَفَعُ هَذَا بِالْكُلِّيَّةِ إِنَّمَا يَكُونُ بِرَفْعِ أَسْبَابِهِ ، وَالْخَبَرُ الَّذِي فِي أَسْبَابِهِ أَضْعَافُ أَضْعَافِ الشَّرِّ الْحَاصِلِ بِهَا ، فَاحْتِمَالُ الشَّرِّ الْقَلِيلِ الْجُزْئِيِّ فِي جَنْبِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ الْكُلِّيَّةِ أَوْلَى مِنْ تَعْطِيلِ الْخَيْرِ الْكَثِيرِ لِمَا يَسْتَلْزِمُهُ مِنَ الْمَفْسَدَةِ الْيَسِيرَةِ الْجُزْئِيَّةِ ، قَالُوا : وَمَنْ تَأَمَّلَ أَسْبَابَ الْآلَامِ وَجَدَ مَا فِي ضِمْنِهَا مِنَ الْمَلَذَّاتِ وَالْخَيْرَاتِ وَالْمَصَالِحِ أَضْعَافَ أَضْعَافَ مَا فِي ضِمْنِهَا مِنَ الشُّرُورِ ، كَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالْمَطَرِ وَالثَّلْجِ وَالرِّيحِ وَتَنَاوُلِ الْأَغْذِيَةِ وَالْفَوَاكِهِ وَأَنْوَاعِ الْأَطْعِمَةِ ، وَصُنُوفِ الْمَنَاكِحِ ، وَأَنْوَاعِ الْأَعْمَالِ وَالْحَرَكَاتِ ، فَإِنَّ الْآلَامَ إِنَّمَا تَتَوَلَّدُ غَالِبُهَا عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ مَصَالِحُهَا وَلَذَّتُهَا وَخَيْرَاتُهَا أَكْثَرُ مِنْ مَفَاسِدِهَا وَشُرُورِهَا وَآلَامِهَا . وَهَذِهِ الطُّرُقُ الثَّلَاثَةُ سَلَكَهَا طَوَائِفُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَفِي كُلِّ طَرِيقٍ مِنْهَا حَقٌّ وَبَاطِلٌ ، فَإِذَا أَخَذْتَ مِنْ طَرِيقٍ حَقَّهَا وَرَمَيْتَ بَاطِلَهَا كَنْتَ أَسْعَدَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ، وَأَصْحَابُ الْمَشِيئَةِ الْمَحْضَةِ أَصَابُوا فِي إِثْبَاتِ عُمُومِ الْمَشِيئَةِ وَالْقُدْرَةِ ، وَأَنَّهُ لَا يَقَعُ فِي الْكَوْنِ شَيْءٌ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ ، فَخُذْ مِنْ قَوْلِهِمْ هَذَا الْقَدْرَ وَأَلْقِ مِنْهُ إِبْطَالَ الْأَسْبَابِ وَالْحِكَمِ وَالتَّعْلِيلِ وَمُرَاعَاةِ مَصَالِحِ الْخَلْقِ ، وَالْقَدَرِيَّةُ أَصَابُوا فِي إِثْبَاتِ ذَلِكَ وَأَخْطَئُوا فِي مَوَاضِعَ : أَحَدُهَا : إِخْرَاجُ أَفْعَالِ عِبَادِهِ عَنْ مُلْكِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ ، الثَّانِي : تَعْطِيلُهُمْ عَوْدَ الْحِكْمَةِ وَالْغَايَةِ الْمَطْلُوبَةِ إِلَى الْفَاعِلِ ، وَإِنَّمَا أَثْبَتُوا أَنْوَاعَ حِكْمَةٍ تَعُودُ إِلَى الْمَفْعُولِ لَا إِلَى الْفَاعِلِ ، الثَّالِثُ : أَنَّهُمْ شَبَّهُوا اللَّهَ بِخَلْقِهِ فِيمَا يَحْسُنُ مِنْهُمْ وَمَا يَقْبُحُ فَقَاسُوهُ فِي أَفْعَالِهِ عَلَى خَلْقِهِ ، وَاعْتَبَرُوا حِكْمَتَهُ بِالْحِكْمَةِ الَّتِي لِعِبَادِهِ ، فَخُذْ مِنْ قَوْلِهِمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ لَا يَفْعَلُ إِلَّا لِمَصْلَحَةٍ وَحِكْمَةٍ ، وَأَنَّهُ لَا يَفْعَلُ الظُّلْمَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ ، بَلْ تَنَزَّهَ عَنْهُ لِغِنَاهُ وَكَمَالِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يُعَاقِبُ أَحَدًا بِغَيْرِ ذَنْبٍ وَلَا يُعَاقِبُهُ بِمَا لَا يَفْعَلُهُ ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُعَاقِبَهُ بِفِعْلٍ هُوَ فِعْلُهُ فِيهِ أَوْ فِعْلِ غَيْرِهِ فِيهِ ، وَأَنَّهُ جَعَلَ الْأَسْبَابَ مُقْتَضَيَاتٍ لِغَايَاتِهَا ، وَأَلْقِ مِنْ قَوْلِهِمْ إِنْكَارَهُمْ خَلْقَهُ لِأَفْعَالِ عِبَادِهِ ، وَإِنْكَارَ عَوْدِ الْحِكْمَةِ إِلَيْهِ وَقِيَاسَ أَفْعَالِهِ عَلَى أَفْعَالِ عِبَادِهِ . وَالْفَلَاسَفَةُ فِيمَا أَصَّلُوهُ مِنْ أَنَّ تَعْطِيلَ أَسْبَابِ الْخَيْرَاتِ وَالْمَصَالِحِ الْعَظِيمَةِ لِمَا فِي ضِمْنِهَا مِنَ الشُّرُورِ وَالْآلَامِ الْجُزْئِيَّةِ مُنَافٍ لِلْحِكْمَةِ ، فَهَذَا أَصْلٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ لَكِنْ أَخْطَئُوا فِي ذَلِكَ أَعْظَمَ خَطَأٍ ، وَهُوَ جَعْلُهُمْ ذَلِكَ مِنْ لَوَازِمِ الطَّبِيعَةِ الْمُجَرَّدَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِفَاعِلٍ مُخْتَارٍ قَدَّرَ ذَلِكَ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ ، وَلَوْ شَاءَ لَكَانَ الْأَمْرُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ كَمَا يَكُونُ فِي الْجَنَّةِ ، فَإِنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْخَيْرَاتِ الْمَحْضَةِ الْبَرِيئَةِ مِنْ هَذِهِ الْعَوَارِضِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، فَاقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الدَّارُ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ ، مَمْزُوجًا خَيْرُهَا بِشَرِّهَا ، وَلَذَّاتُهَا بِآلَامِهَا ، وَأَنْ تَكُونَ دَارَ الْقَرَارِ خَالِصَةً مِنْ شَوَائِبِ الْآلَامِ وَالشُّرُورِ خَلَاصًا تَامًّا ، وَأَنْ تَكُونَ دَارُ الشَّقَاءِ خَالِصَةً لِلْآلَامِ وَالشُّرُورِ ، وَإِذَا جَمَعْتَ حَقَّ هَذِهِ الطَّائِفَةِ وَأَثْبَتَّ تَعَالِي صِفَاتِ الْكَمَالِ ، وَأَنَّهُ يُحِبُّ وَيُحَبُّ ، وَيَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عِبَادِهِ وَطَاعَتِهِمْ وَيَرْضَى بِهَا وَيَضْحَكُ وَيُثْنِي عَلَيْهِمْ بِهَا ، وَيُحِبُّ أَنْ يُثْنَى عَلَيْهِ وَيُحْمَدَ وَيُشْكَرَ ، وَيَفْعَلُ مَا لَهُ فِي فِعْلِهِ غَايَةٌ وَحِكْمَةٌ يُحِبُّهَا وَيَرْضَاهَا ، فَيَفْعَلُ لِأَجْلِهَا ، كُنْتَ أَسْعَدَ بِالْحَقِّ مِنْ هَؤُلَاءِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية