الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة

ابن القيم - أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية

جزء صفحة
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ حُجَّةِ الْجَهْمِيِّ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَرْضَى وَلَا يَغْضَبُ ، وَلَا يُحِبُّ وَلَا يَسْخَطُ وَلَا يَفْرَحُ ، وَالْجَوَابُ عَنْهَا احْتَجَّ الْجَهْمِيُّ عَلَى امْتِنَاعِ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِأَنَّ هَذَا انْفِعَالٌ وَتَأْثِيرٌ عَنِ الْعَبْدِ وَالْمَخْلُوقِ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْخَالِقِ ، فَلَوْ أَغْضَبَهُ أَوْ فَعَلَ مَا يَفْرَحُ بِهِ لَكَانَ الْمُحْدَثُ قَدْ أَثَّرَ فِي الْقَدِيمِ تِلْكَ الْكَيْفِيَّاتِ ، وَهَذَا مُحَالٌ ، هَذِهِ الشُّبْهَةُ مِنْ جَنْسِ شُبَهِهِمُ الَّتِي تُدْهِشُ السَّامِعَ أَوَّلَ مَا تَطْرُقُ سَمْعَهُ ، وَتَأْخُذُ مِنْهُ تُرَوِّعُهُ ، كَالسِّحْرِ الَّذِي يُدْهِشُ النَّاظِرَ أَوَّلَ مَا يَرَاهُ . وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ، وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ ، وَكُلُّ مَا فِي الْكَوْنِ مِنْ أَعْيَانٍ وَأَفْعَالٍ وَحَوَادِثَ فَهِيَ بِمَشِيئَتِهِ وَتَكْوِينِهِ ، فَمَا شَاءَ كَانَ ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ ، فَصِفَتَانِ لَا تَخْصِيصَ فِيهِمَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ، وَكُلُّ مَا يَشَاؤُهُ إِنَّمَا يَشَاؤُهُ لِحِكْمَةٍ اقْتَضَاهَا حَمْدُهُ وَمَجْدُهُ ، فَحِكْمَتُهُ الْبَالِغَةُ أَوْجَبَتْ كُلَّ مَا فِي الْكَوْنِ مِنَ الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبِّبَاتِ ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ خَالِقُ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُرْضِيهِ وَتُغْضِبُهُ وَتُسْخِطُهُ وَتُفْرِحُهُ ، وَالْأَشْيَاءَ الَّتِي يُحِبُّهَا وَيَكْرَهُهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ خَالِقُ ذَلِكَ كُلِّهِ ، فَالْمَخْلُوقُ أَضْعَفُ وَأَعْجَزُ أَنْ يُؤَثِّرَ فِيهِ ، بَلْ هُوَ الَّذِي خَلَقَ ذَلِكَ كُلَّهُ عَلَى عِلْمِهِ ، فَإِنَّهُ يُحِبُّ هَذَا وَيَرْضَى هَذَا ، وَيُبْغِضُ هَذَا وَيَسْخَطُ هَذَا ، وَيَفْرَحُ بِهَذَا فَمَا أَثَّرَ فِيهِ غَيْرُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ . الثَّانِي : أَنَّ التَّأْثِيرَ لَفْظٌ فِيهِ اشْتِبَاهٌ وَإِجْمَالٌ ، أَتُرِيدُ بِهِ أَنَّ غَيْرَهُ لَا يُعْطِيهِ كَمَالًا لَمْ يَكُنْ لَهُ ، وَيُوجَدُ فِيهِ صِفَةً كَانَ فَاقِدَهَا ؟ فَهَذَا مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أَمْ تُرِيدُ أَنَّ غَيْرَهُ لَا يُسْخِطُهُ وَلَا يُغْضِبُهُ ، وَلَا يَفْعَلُ مَا يَفْرَحُ بِهِ أَوْ يُحِبُّهُ أَوْ يَكْرَهُهُ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ، فَهَذَا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ ، وَهُوَ أَوَّلُ الْمَسْأَلَةِ ، وَلَيْسَ مَعَكَ فِي نَفْيِهِ إِلَّا مُجَرَّدَ الدَّعْوَى بِتَسْمِيَةِ ذَلِكَ تَأْثِيرًا فِي الْخَالِقِ ، وَلَيْسَ الشَّأْنُ فِي الْأَسْمَاءِ ، إِنَّمَا الشَّأْنُ فِي الْمَعَانِي وَالْحَقَائِقِ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ ) وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ فِي أَهْلِ الصُّفَّةِ : " لَإِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ " . الثَّالِثُ : أَنَّ هَذَا يُبْطِلُ مَحَبَّتَهُ لِطَاعَةِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَبُغْضَهُ لِمَعَاصِي الْمُخَالِفِينَ ، فَهَذَا وَهَذَا مَعْلُومُ الْبُطْلَانِ بِالضَّرُورَةِ وَالْعَقْلِ وَالْفِطَرِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَاتِّفَاقِ أَهْلِ الْأَدْيَانِ كُلِّهِمْ ، بَلْ هَذَا حَقِيقَةُ دَعْوَةِ الرُّسُلِ بَعْدَ التَّوْحِيدِ . الرَّابِعُ : أَنَّ هَذَا يَنْتَقِضُ بِإِجَابَةِ دَعَوَاتِهِمْ وَسَمَاعِ أَصْوَاتِهِمْ ، وَرُؤْيَةِ أَفْعَالِهِمْ وَحَرَكَاتِهِمْ ، فَإِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا أُمُورٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَفْعَالِهِمْ ، فَمَا كَانَ جَوَابُكَ عَنْهَا فِي مَحَلِّ الْإِلْزَامِ . الْخَامِسُ : أَنَّهُ سُبْحَانَهُ إِذَا كَانَ يُحِبُّ أُمُورًا ، وَتِلْكَ الْأُمُورُ مَحْبُوبَةٌ لَهَا لَوَازِمُ يَمْتَنِعُ وُجُودُهَا بِدُونِهَا ، كَانَ وُجُودُ تِلْكَ الْأُمُورِ مُسْتَلْزِمًا لِلَوَازِمِهَا الَّتِي لَا تُوجَدُ بِدُونِهَا ، مِثَالُهُ مَحَبَّتُهُ لِلْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالتَّوْبَةِ ، فَهَذِهِ الْمَحْبُوبَاتُ تَسْتَلْزِمُ وُجُودَ مَا يَعْفُو عَنْهُ وَيَغْفِرُهُ وَيَتُوبُ إِلَيْهِ الْعَبْدُ مِنْهُ ، وَوُجُودُ الْمَلْزُومِ بِدُونِ لَازِمِهِ مُحَالٌ ، فَلَا يُمْكِنُ حُصُولُ مَحْبُوبَاتِهِ سُبْحَانَهُ مِنَ التَّوْبَةِ وَالْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ ، بِدُونِ الَّذِي يُتَابُ مِنْهُ وَيَغْفِرُهُ وَيَعْفُو عَنْهُ ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ " وَهَذَا هُوَ الَّذِي وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِالْفَرَحِ بِهِ ، وَهَذَا الْمَفْرُوحُ بِهِ يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ قَبْلَ الذَّنْبِ فَضْلًا مِنْ أَنْ يَكُونَ ، فَهَذَا الْمَفْرُوحُ بِهِ يُحِبُّ تَأَخُّرَهُ قَطْعًا ، وَمِثْلُ هَذَا مَا رُوِيَ أَنَّ آدَمَ لَمَّا رَأَى بَنِيهِ وَرَأَى تَفَاوُتَهُمْ ، قَالَ : يَا رَبِّ ، هَلَّا سَوَّيْتَ بَيْنَ عِبَادِكَ ؟ قَالَ : إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أُشْكَرَ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَحَبَّتَهُ لِلشُّكْرِ عَلَى مَا فَضَّلَ بِهِ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمْ ، فَإِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ التَّسْوِيَةِ وَالتَّفْضِيلِ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ ، وَذَلِكَ مُحَالٌ . الْوَجْهُ الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ : أَنَّ هَذِهِ الْمُعَارَضَةَ بَيْنَ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ هِيَ أَصْلُ كُلِّ فَسَادٍ فِي الْعَالَمِ ، وَهِيَ ضِدُّ دَعْوَةِ الرُّسُلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، فَإِنَّهُمْ دَعَوْا إِلَى تَقْدِيمِ الْوَحْيِ عَلَى الْآرَاءِ وَالْعُقُولِ ، وَصَارَ خُصُومُهُمْ إِلَى ذَلِكَ ، فَأَتْبَاعُ الرُّسُلِ قَدَّمُوا الْوَحْيَ عَلَى الرَّأْيِ وَالْمَعْقُولِ ، وَأَتْبَاعُ إِبْلِيسَ أَوْ نَائِبٌ مِنْ نُوَّابِهِ قَدَّمُوا الْعَقْلَ عَلَى النَّقْلِ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الشَّهْرَسْتَانِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ : اعْلَمْ أَنَّ أَوَّلَ شُبْهَةٍ وَقَعَتْ فِي الْخَلْقِ شُبْهَةُ إِبْلِيسَ ، وَمَصْدَرُهَا اسْتِبْدَادُهُ بِالرَّأْيِ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ ، وَاخْتِيَارُهُ الْهَوَى فِي مُعَارَضَةِ الرَّأْيِ ، وَاسْتِكْبَارُهُ بِالْمَادَّةِ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا ، وَهِيَ النَّارُ عَلَى مَادَّةِآدَمَ ، وَهِيَ الطِّينُ ، وَتَشَعَّبَتْ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ سَبْعُ شُبُهَاتٍ صَارَتْ هِيَ مَذَاهِبُ بِدْعَةٍ وَضَلَالَةٍ ، وَتِلْكَ الشُّبُهَاتُ مَسْطُورَةٌ فِي شَرْحِ الْأَنَاجِيلِ الْأَرْبَعَةِ وَمَذْكُورَةٌ فِي التَّوْرَاةِ مُتَفَرِّقَةً عَلَى شَكْلِ مُنَاظَرَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَلَائِكَةِ بَعْدَ الْأَمْرِ بِالسُّجُودِ وَالِامْتِنَاعِ مِنْهُ ، قَالَ : كَمَا نُقِلَ عَنْهُ : إِنِّي سَلَّمْتُ أَنَّ الْبَارِي إِلَهِي وَإِلَهِ الْخَلْقِ عَالَمٌ قَادِرٌ ، وَلَا يُسْأَلُ عَنْ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ ، وَإِذَا أَرَادَ شَيْئًا قَالَ لَهُ ( كُنْ فَيَكُونُ ) وَهُوَ حَكِيمٌ ، إِلَّا أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ عَلَى مَسَاقِ حِكْمَتِهِ أَسْئِلَةٌ سَبْعَةٌ : أَوَّلُهَا : قَدْ عُلِمَ قَبْلَ خَلْقِي أَيُّ شَيْءٍ يَصْدُرُ عَنِّي وَيَحْصُلُ ، فَلِمَ خَلَقَنِي أَوَّلًا وَمَا الْحِكْمَةُ فِي خَلْقِهِ إِيَّايَ ؟ . الثَّانِي : إِذْ خَلَقَنِي عَلَى مُقْتَضَى إِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ ، فَلِمَ كَلَّفَنِي بِمَعْرِفَتِهِ وَطَاعَتِهِ ؟ وَمَا الْحِكْمَةُ فِي التَّكْلِيفِ بَعْدَ أَلَّا يَنْتَفِعَ بِطَاعَتِهِ وَلَا يَتَضَرَّرَ بِمَعْصِيَتِهِ ؟ الثَّالِثُ : إِذْ خَلَقَنِي وَكَلَّفَنِي فَالْتَزَمْتُ تَكْلِيفَهُ بِالْمَعْرِفَةِ وَالطَّاعَةِ فَعَرَفْتُ وَأَطَعْتُ ، فَلِمَ كَلَّفَنِي بِطَاعَةِ آدَمَ وَالسُّجُودِ لَهُ ؟ وَمَا الْحِكْمَةُ فِي هَذَا التَّكْلِيفِ عَلَى الْخُصُوصِ بَعْدَ أَنْ لَا يَزِيدَ ذَلِكَ فِي طَاعَتِي وَمَعْرِفَتِي ؟ الرَّابِعُ : إِذْ خَلَقَنِي وَكَلَّفَنِي عَلَى الْإِطْلَاقِ ، وَكَلَّفَنِي هَذَا التَّكْلِيفَ عَلَى الْخُصُوصِ ، فَإِذَا لَمْ أَسْجُدْ لَعَنَنِي وَأَخْرَجَنِي مِنَ الْجَنَّةِ ، مَا الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ بَعْدَ إِذْ لَمْ أَرْتَكِبْ قَبِيحًا إِلَّا قَوْلِي : لَا أَسْجُدُ إِلَّا لَكَ ؟ الْخَامِسُ : إِذْ خَلَقَنِي وَكَلَّفَنِي مُطْلَقًا وَخُصُوصًا وَلَمْ أُطِعْ فَلَعَنَنِي وَطَرَدَنِي فَلِمَ طَرَقَنِي إِلَى آدَمَ حَتَّى دَخَلْتُ الْجَنَّةَ ثَانِيًا ، وَغَرَرْتُهُ بِوَسْوَسَتِي فَأَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا ، وَأَخْرَجَهُ مِنَ الْجَنَّةِ مَعِي ، وَمَا الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ ، بَعْدَ أَنْ لَوْ مَنَعَنِي مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ لَاسْتَرَاحَ مِنِّي وَبَقِيَ خَالِدًا فِي الْجَنَّةِ ؟ السَّادِسُ : إِذْ خَلَقَنِي كَلَّفَنِي عُمُومًا وَخُصُوصًا وَلَعَنَنِي ثُمَّ طَرَقَنِي إِلَى الْجَنَّةِ ، وَكَانَتِ الْخُصُومَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ آدَمَ ، فَلِمَ سَلَّطَنِي عَلَى أَوْلَادِهِ حَتَّى أَرَاهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَرَوْنِي ، وَتُؤَثِّرُ فِيهِمْ وَسْوَسَتِي وَلَا يُؤَثِّرُ فِيَّ حَوْلَهُمْ وَقُوَّتَهُمْ وَقُدْرَتَهُمْ وَاسْتِطَاعَتَهُمْ ، وَمَا الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ لَوْ خَلَقَهُمْ عَلَى الْفِطْرَةِ دُونَ مَنْ يَجْتَالُهُمْ عَنْهَا فَيَعِيشُوا طَاهِرِينَ سَامِعِينَ مُطِيعِينَ كَانَ أَحْرَى وَأَلْيَقَ بِالْحِكْمَةِ ؟ السَّابِعُ : سَلَّمْتُ هَذَا كُلَّهُ ، خَلَقَنِي وَكَلَّفَنِي مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا ، وَحَيْثُ لَمْ أُطِعْ لَعَنَنِي وَطَرَدَنِي ، وَمَكَّنَنِي مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ وَطَرَقَنِي وَإِذْ عَمِلْتُ عَمَلًا أَخْرَجَنِي ، ثُمَّ سَلَّطَنِي عَلَى بَنِي آدَمَ ، فَلِمَ إِذِ اسْتَمْهَلْتُهُ أَمْهَلَنِي فَقُلْتُ ( فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) فَقَالَ ( فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) وَمَا الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ لَوْ أَهْلَكَنِي فِي الْحَالِ اسْتَرَاحَ الْخَلْقُ مِنِّي ، وَمَا بَقِيَ شَرٌّ فِي الْعَالَمِ ؟ أَلَيْسَ بَقَاءُ الْعَالَمِ عَلَى نِظَامِ الْخَيْرِ خَيْرٌ مِنَ امْتِزَاجِهِ بِالشَّرِّ ؟ قَالَ : فَهَذِهِ حُجَّتِي عَلَى مَا ادَّعَيْتُهُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ . قَالَ شَارِحُ الْإِنْجِيلِ : فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الْمَلَائِكَةِ ، قَالُوا لَهُ : إِنَّكَ فِي مَسْأَلَتِكَ الْأُولَى : إِنِّي إِلَهُكَ وَإِلَهُ الْخَلْقِ غَيْرُ صَادِقٍ وَلَا مُخْلِصٍ ، إِذْ لَوْ صَدَّقْتَ أَنِّي رَبُّ الْعَالَمِينَ مَا احْتَكَمْتَ عَلَيَّ بِلِمَ ، فَأَنَا اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا ، لَا أُسْأَلُ عَمَّا أَفْعَلُ ، وَالْخَلْقُ مَسْئُولُونَ ، قَالَ : هَذَا مَذْكُورٌ فِي التَّوْرَاةِ وَالزَّبُورِ ، مَسْطُورٌ فِي الْإِنْجِيلِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ ، وَكُنْتُ بُرْهَةً مِنَ الزَّمَانِ أَتَفَكَّرُ وَأَقُولُ : مِنَ الْمَعْلُومِ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ أَنَّ كُلَّ شُبْهَةٍ وَقَعَتْ لِبَنِي آدَمَ فَإِنَّمَا وَقَعَتْ مِنْ إِضْلَالِ الشَّيْطَانِ وَوَسَاوِسِهِ ، وَنَشَأَتْ مِنْ شُبُهَاتِهِ ، وَإِذَا كَانَتِ الشُّبُهَاتُ مَحْصُورَةً فِي سَبْعِ عَادَتٍ كِبَارُ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ إِلَى سَبْعٍ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَعْدُوَهَا شُبْهَةُ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالْكُفْرِ ، وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْعِبَارَاتُ وَتَبَايَنَتِ الطُّرُقُ فَإِنَّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَنْوَاعِ الضَّلَالَاتِ كَالْبَذْرِ تَرْجِعُ جُمْلَتُهَا إِلَى إِنْكَارِ الْأَمْرِ بَعْدَ الِاعْتِرَافِ بِالْخَلْقِ ، وَإِلَى الْجُنُوحِ إِلَى الْهَوَى وَالرَّأْيِ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ ، وَالَّذِينَ جَادَلُوا هُودًا ، وَنُوحًا ، وَصَالِحًا ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَلُوطًا ، وَشُعَيْبًا ، وَمُوسَى ، وَعِيسَى ، وَمُحَمَّدًا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ ، كُلُّهُمْ نَسَجُوا عَلَى مِنْوَالِ اللَّعِينِ الْأَوَّلِ فِي إِظْهَارِ شُبُهَاتِهِمْ ، وَحَاصِلُهَا يَرْجِعُ إِلَى رَفْعِ التَّكْلِيفِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَجَحْدِ أَصْحَابِ التَّكَالِيفِ وَالشَّرَائِعِ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ نَشَأَ ، فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِمْ : ( أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا ) وَبَيْنَ قَوْلِهِ : ( أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا ) ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا ) ، فَبَيَّنَ أَنَّ الْمَانِعَ مِنَ الْإِيمَانِ هُوَ هَذَا الْمَعْنَى ، كَمَا قَالَ الْمُتَقَدِّمُ : ( أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ) ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَعَقَّبْنَا أَقْوَالَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ وَجَدْنَاهَا مُطَابِقَةً لِأَقْوَالِ الْمُتَقَدِّمِينَ : ( كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ) ( فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ ) ، فَاللَّعِينُ الْأَوَّلُ لَمَّا حَكَّمَ الْعَقْلَ عَلَى مَنْ لَا يَحْتَكِمُ عَلَيْهِ الْعَقْلُ أَجْرَى حُكْمَ الْخَالِقِ فِي الْخَلْقِ وَحُكْمَ الْخَلْقِ فِي الْخَالِقِ ، وَالْأَوَّلُ غُلُوٌّ ، وَالثَّانِي تَقْصِيرٌ فَثَارَ مِنَ الشُّبْهَةِ الْأُولَى مَذَاهِبُ الْحُلُولِيَّةِ وَالتَّنَاسُخِيَّةِ وَالْمُشَبِّهَةِ وَالْغُلَاةِ مِنَ الرَّافِضَةِ مِنْ حَيْثُ غَلَوْا فِي حَقِّ شَخْصٍ مِنَ الْأَشْخَاصِ حَتَّى وَصَفُوهُ بِأَوْصَافِ الْجَلَالِ ، وَثَارَ مِنَ الشُّبْهَةِ الثَّانِيَةِ مَذَاهِبُ الْقَدَرِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ وَالْمُجَسِّمَةِ حَيْثُ قَصَّرُوا فِي وَصْفِهِ تَعَالَى بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَالْمُعْتَزِلَةِ مُشَبِّهَةِ الْأَفْعَالِ وَمُشَبِّهَةِ الصِّفَاتِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا أَعْوَرُ ، فَإِنَّ مَنْ قَالَ : يَحْسُنُ مِنْهُ مَا يَحْسُنُ مِنَّا وَيَقْبَحُ مِنْهُ مَا يُقْبَحُ مِنَّا ، فَقَدْ شَبَّهَ الْخَالِقَ بِالْخَلْقِ ، وَمَنْ قَالَ : يُوصَفُ الْبَارِي بِمَا يُوصَفُ بِهِ الْخَلْقُ أَوْ يُوصَفُ الْخَلْقُ بِمَا يُوصَفُ بِهِ الْبَارِي ، فَقَدِ اعْتَزَلَ عَنِ الْحَقِّ ، وَشَيْخُ الْقَدَرِيَّةِ طَلَبُ الْعِلَّةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، وَذَلِكَ الشَّيْخُ اللَّعِينُ الْأَوَّلُ ، إِذْ طَلَبُ الْعِلَّةِ فِي الْخَلْقِ أَوَّلًا ، وَالْحِكْمَةُ فِي التَّكْلِيفِ ثَانِيًا ، وَالْمُعَانَدَةُ فِي تَكْلِيفِ السُّجُودِ لِآدَمَ ثَالِثًا . ثُمَّ ذَكَرَ الْخَوَارِجَ وَالْمُعْتَزِلَةَ وَالرَّوَافِضَ وَقَالَ : رَأَيْتُ شُبُهَاتِهِمْ كُلَّهَا نَشَأَتْ مِنْ شُبُهَاتِ اللَّعِينِ الْأَوَّلِ ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ التَّنْزِيلُ بِقَوْلِهِ : ( وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَتَسْلُكُنَّ سُبُلَ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ وَالنَّعْلِ بِالنَّعْلِ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ " . فَهَذِهِ الْقِصَّةُ فِي الْمُنَاظَرَةِ هِيَ نَقْلُ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَنَحْنُ لَا نُصَدِّقُهَا وَلَا نُكَذِّبُهَا ، وَكَأَنَّهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ مُنَاظَرَةٌ وُضِعَتْ عَلَى لِسَانِ إِبْلِيسَ ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَا بُدَّ مِنَ الْجَوَابِ عَنْهَا سَوَاءٌ صَدَرَتْ عَنْهُ أَوْ قِيلَتْ عَلَى لِسَانِهِ ، فَلَا رَيْبَ أَنَّهَا مِنْ كَيْدِهِ ، وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى ( إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا . ) فَهَذِهِ الْأَسْئِلَةُ وَالشُّبُهَاتُ مِنْ أَضْعَفِ الْأَسْئِلَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ ، وَإِنْ صَعُبَ مَوْقِعُهَا عِنْدَ مَنْ أَصَّلَ أُصُولًا فَاسِدَةً كَانَتْ سَدًّا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَدِّهَا ، وَقَدِ اخْتَلَفَتْ طُرُقُ النَّاسِ فِي الْأَجْوِبَةِ عَنْهَا ، فَقَالَ الْمُنَجِّمُونَ وَزَنَادِقَةُ الطَّبَائِعِيِّينَ وَالْفَلَاسِفَةُ : لَا حَقِيقَةَ لِآدَمَ وَلَا لِإِبْلِيسَ وَلَا لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، بَلْ لَمْ يَزَلِ الْوُجُودُ هَكَذَا ، وَلَا يَزَالُ نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ ، وَأُمَّةٍ بَعْدَ أُمَّةٍ ، وَإِنَّمَا أَمْثَالٌ مَضْرُوبَةٌ لِانْفِعَالِ الْقُوَى النَّفْسَانِيَّةِ الصَّالِحَةِ لِهَذَا الْبَشَرِ ، وَهَذِهِ الْقُوَى هِيَ الْمُسَمَّاةُ فِي الشَّرَائِعِ بِالْمَلَائِكَةِ ، وَاسْتَعْصَتِ الْقُوَى الْغَضَبِيَّةُ وَالشَّهَوَانِيَّةُ ، وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ بِالشَّيَاطِينِ ، فَعَبَّرُوا عَنْ خُضُوعِ الْقُوَى الْخَيْرِيَّةِ الْفَاضِلَةِ بِالسُّجُودِ ، وَعَبَّرَ عَنْ إِبَاءِ الْقُوَى الشِّرِّيرَةِ بِالْإِبَاءِ وَالِاسْتِكْبَارِ وَتَرْكِ السُّجُودِ ، قَالُوا : وَالْحِكْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ اقْتَضَتْ تَرْكِيبَ الْإِنْسَانِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، وَإِسْكَانَ هَذِهِ الْقُوَى فِيهِ وَانْقِيَادَ بَعْضِهَا لَهُ وَإِبَاءَ بَعْضِهَا ، فَهَذَا شَأْنُ الْإِنْسَانِ ، وَلَوْ كَانَ عَلَى غَيْرِ هَذَا التَّرْكِيبِ لَمْ يَكُنْ إِنْسَانًا ، قَالُوا : وَبِهَذَا تَنْدَفِعُ الْأَسْئِلَةُ كُلُّهَا ، وَإِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُقَالَ : لِمَ أَحْوَجَ الْإِنْسَانَ إِلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاللِّبَاسِ ، وَلِمَا أَحْوَجَهُ إِلَيْهَا ، فَلِمَ جَعَلَهُ يَبُولُ وَيَتَغَوَّطُ وَيَمْخُطُ ؟ وَلِمَ جَعَلَهُ يَهْرَمُ وَيَمْرَضُ وَيَمُوتُ ؟ فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ مِنْ لَوَازِمِ النَّشْأَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ ، فَهَذِهِ الطَّائِفَةُ رَفَعَتِ الْقَوَاعِدَ مِنْ أَصْلِهَا وَأَبْطَلَتْ آدَمَ وَإِبْلِيسَ وَالْمَلَائِكَةَ ، وَرَدَّتِ الْأَمْرَ إِلَى مُجَرَّدِ قُوًى نَفْسَانِيَّةٍ وَأُمُورٍ مَعْنَوِيَّةٍ . وَقَالَتِ الْجَبْرِيَّةُ ، وَمُنْكِرُو الْعِلَلِ وَالْحُكْمِ : هَذِهِ الْأَسْئِلَةُ إِنَّمَا تَرِدُ عَلَى مَنْ يَفْعَلُ لِعِلَّةٍ أَوْ غَرَضٍ أَوْ لِغَايَةٍ ، فَأَمَّا مَنْ لَا عِلَّةَ لِفِعْلِهِ وَلَا غَايَةَ وَلَا غَرَضَ ، بَلْ يَفْعَلُ بِلَا سَبَبٍ فَإِنَّمَا مَصْدَرُ مَفْعُولَاتِهِ مَحْضُ مَشِيئَتِهِ وَغَايَتُهَا مُطَابَقَتُهَا بِعِلْمِهِ وَإِرَادَتِهِ ، فَيَجِيءُ فِعْلُهُ عَلَى وَفْقِ إِرَادَتِهِ وَعِلْمِهِ ، وَعَلَى هَذَا فَهَذِهِ الْأَسْئِلَةُ فَاسِدَةٌ كُلُّهَا ، إِذْ مَبْنَاهَا عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ تَعْلِيلُ أَفْعَالِ مَنْ لَا تُعَلَّلُ أَفْعَالُهُ وَلَا يُوَصَفُ بِحُسْنٍ وَلَا قُبْحٍ عَقْلِيَّيْنِ ، بَلِ الْحَسَنُ مَا فَعَلَهُ أَوْ مَا يَفْعَلُهُ فَكُلُّهُ حَسَنٌ ( لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ) ، قَالُوا : وَالْقُبْحُ وَالظُّلْمُ هُوَ تَصَرُّفُ الْإِنْسَانِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ ، فَأَمَّا تَصَرُّفُ الْمَلِكِ الْحَقِّ فِي مُلْكِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ تَحْتَ حِجْرِ حَاجِرٍ أَوْ أَمْرِ آمِرٍ أَوْ نَهْيِ نَاهٍ ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ ظُلْمًا وَلَا قَبِيحًا ، فَرَفَعَ هَؤُلَاءِ الْأَسْئِلَةَ مِنْ أَصْلِهَا وَالْتَزَمُوا لَوَازِمَ هَذَا الْأَوَّلَ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ شَيْءٌ ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَلَا يَقْبُحُ مِنْهُ مُمْكِنٌ . وَقَالَتِ الْقَدَرِيَّةُ : هَذَا لَا يَرِدُ عَلَى أُصُولِنَا ، وَإِنَّمَا يَرِدُ عَلَى أُصُولِ الْجَبْرِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ ، وَطَاعَتُهُمْ وَمَعَاصِيهِمْ وَإِيمَانُهُمْ وَكُفْرُهُمْ ، وَأَنَّهُ قَدَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ وَعَلِمَهُ مِنْهُمْ وَخَلَقَهُمْ لَهُ ، فَخَلَقَ أَهْلَ الْكُفْرِ لِلْكُفْرِ ، وَأَهْلَ الْفُسُوقِ لِلْفُسُوقِ ، قَدَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَشَاءَهُ مِنْهُمْ وَخَلَقَهُ فِيهِمْ ، فَهَذِهِ الْأَسْئِلَةُ وَارِدَةٌ عَلَيْهِمْ ، وَأَمَّا نَحْنُ فَعِنْدَنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَرَّضَهُمْ لِلطَّاعَةِ وَالْإِيمَانِ وَأَقْدَرَهُمْ عَلَيْهِ وَمَكَّنَهُمْ مِنْهُ وَرَضِيَهُ لَهُمْ وَأَحَبَّهُ ، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمُ الْكُفْرَ وَالْعِصْيَانَ ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَمْ يُكْرِهْهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَجْبِلْهُمْ عَلَيْهِ وَلَا شَاءَهُ مِنْهُمْ وَلَا كَتَبَهُ عَلَيْهِمْ وَلَا قَدَّرَهُ ، وَلَا خَلَقَهُمْ لَهُ وَلَا خَلَقَهُ فِيهِمْ ، وَلَكِنَّهَا أَعْمَالٌ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ وَشُرُورٌ هُمْ لَهَا فَاعِلُونَ ، فَإِنَّمَا خَلَقَ إِبْلِيسَ لِطَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ ، وَلَمْ يُخْلَقْ لِمَعْصِيَتِهِ وَالْكُفْرِ بِهِ ، وَصَرَّحَ قُدَمَاءُ هَذِهِ الْفِرْقَةِ بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مِنْ إِبْلِيسَ حِينَ خَلَقَهُ أَنَّهُ يَصْدُرُ مِنْهُ مَا صَدَرَ ، وَلَوْ عَلِمَ ذَلِكَ مِنْهُ لَمْ يَخْلُقْهُ ، وَأَبَى مُتَأَخِّرُونَ ذَلِكَ ، وَقَالُوا : بَلْ كَانَ سُبْحَانَهُ عَالِمًا بِهِ وَخَلَقَهُ امْتِحَانًا لِعِبَادِهِ لِيَظْهَرَ الْمُطِيعُ لَهُ مِنَ الْعَاصِي ، وَالْمُؤْمِنُ مِنَ الْكَافِرِ ، وَلِيُثِيبَ عِبَادَهُ عَلَى مُعَادَاتِهِ وَمُحَارَبَتِهِ وَمَعْصِيَتِهِ أَفْضَلَ الثَّوَابِ ، قَالُوا : وَهَذِهِ الْحِكْمَةُ اقْتَضَتْ بَقَاءَهُ حَتَّى تَنْقَضِيَ الدُّنْيَا وَأَهْلُهَا ، قَالُوا : وَأَمَرَهُ بِالسُّجُودِ لِيُطِيعَهُ فَيُثِيبَهُ ، فَاخْتَارَ لِنَفْسِهِ الْمَعْصِيَةَ وَالْكُفْرَ مِنْ غَيْرِ إِكْرَاهٍ مِنَ الرَّبِّ وَلَا إِلْجَاءٍ لَهُ إِلَى ذَلِكَ ، وَلَا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّجُودِ ، وَلَا سَلَّطَ عَلَى آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ قَهْرًا ، وَقَدِ اعْتَرَفَ عَدُوُّ اللَّهِ بِذَلِكَ حَيْثُ يَقُولُ : ( وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ ) ، وَقَالَ تَعَالَى : ( وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ ) قَالُوا : فَانْدَفَعَتْ تِلْكَ الْأَسْئِلَةُ وَظَهَرَ أَنَّهَا تَرِدُ عَلَى أُصُولِ الْجَبْرِيَّةِ لَا عَلَى أُصُولِنَا . وَقَالَتِ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ ، حِزْبُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ : كَيْفَ يَطْمَعُ فِي الرَّدِّ عَلَى عَدُوِّ اللَّهِ مَنْ قَدْ شَارَكَهُ فِي أَصْلِهِ وَفِي بَعْضِ شُبَهِهِ ، فَإِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ أَصْلُ مُعَارَضَةِ النَّصِّ بِالرَّأْيِ ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَى تَأْصِيلِهِ هَذِهِ الْأَسْئِلَةُ وَأَمْثَالُهَا ، فَمَنْ عَارَضَ النَّقْلَ بِالْعَقْلِ فَهُوَ شَرِيكُهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَلَا يُمَكَّنُ مِنَ الرَّدِّ التَّامِّ عَلَيْهِ ، وَلِهَذَا لَمَّا شَارَكَهُ زَنَادِقَةُ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُنَجِّمِينَ وَالطَّبَائِعِيِّينَ فِي هَذَا الْأَصْلِ أَنْكَرُوا وُجُودَهُ وَوُجُودَ آدَمَ وَالْمَلَائِكَةِ ، فَضْلًا عَنْ قِصَّةِ أَمْرِهِ بِالسُّجُودِ وَإِبَائِهِ وَمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ ، وَلَمَّا أَنْكَرَتِ الْجَبْرِيَّةُ الْحُكْمَ وَالتَّعْلِيلَ وَالْأَسْبَابَ عَجَزُوا عَنْ جَوَابِ أَسْئِلَةٍ وَسَدُّوا عَلَى نُفُوسِهِمْ بَابَ اسْتِمَاعِهَا وَالْجَوَابِ عَنْهَا ، وَفَتَحُوا بَابَ مُكَابَرَةِ الْعُقُولِ الصَّحِيحَةِ فِي إِنْكَارِ تَحْسِينِ الْعَقْلِ وَتَقْبِيحِهِ ، وَإِنْكَارِ الْأَسْبَابِ وَالْقُوَى وَالطَّبَائِعِ وَالْحِكَمِ وَالْغَايَاتِ الْمَحْمُودَةِ الَّتِي لِأَجْلِهَا يَفْعَلُ الرَّبُّ مَا يَفْعَلُهُ ، وَجَوَّزُوا عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ كُلَّ شَيْءٍ وَأَنْ يَأْمُرَ بِجَمِيعِ مَا نَهَى عَنْهُ وَيَنْهَى عَنْ كُلِّ مَا أَمَرَ بِهِ ، وَلَا فَرْقَ عِنْدَهُمْ الْبَتَّةَ بَيْنَ الْمَأْمُورِ وَالْمَحْظُورِ ، وَالْكُلُّ سَوَاءٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، وَلَكِنَّ هَذَا صَارَ حَسَنًا بِأَمْرِهِ لِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ وَذَاتِهِ حَسَنٌ ، وَهَذَا صَارَ قَبِيحًا بِنَهْيِهِ لِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ وَذَاتِهِ قَبِيحٌ . وَلَمَّا وَصَلَتِ الْقَدَرِيَّةُ إِنْكَارَ عُمُومِ قُدْرَةِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَمَشِيئَتِهِ لِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ ، وَأَخْرَجَتْ أَفْعَالَ عَبْدِهِ خَيْرَهَا وَشَرَّهَا عَنْ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ لِخَلْقِهِ ، وَأَثْبَتَتْ لِلَّهِ تَعَالَى شَرِيعَةً بِعُقُولِهِمْ حَكَمَتْ عَلَيْهِ بِهَا ، وَاسْتَحْسَنَتْ مِنْهُ مَا اسْتَحْسَنَتْ مِنْ أَنْفُسِهَا ، وَاسْتَقْبَحَتْ مِنْهُ مَا اسْتَقْبَحَتْهُ مِنْ أَنْفُسِهَا ، وَعَارَضَتْ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى خِلَافِ مَا أَصَّلُوهُ وَبَيْنَ الْعَقْلِ ، ثُمَّ رَامُوا الرَّدَّ عَلَى عَدُوِّ اللَّهِ فَعَجَزُوا عَنِ الرَّدِّ التَّامِّ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الرَّدِّ عَلَيْهِ كُلَّ الرَّدِّ مَنْ تَلَقَّى أُصُولَهُ عَنْ مِشْكَاةِ الْوَحْيِ وَنُورِ النُّبُوَّةِ ، وَلَمْ يُؤَصِّلْ أَصْلًا بِرَأْيِهِ . فَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّهُ عُلِمَ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْئِلَةَ لَيْسَتْ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُوسَى وَعِيسَى مُخْبِرًا بِهَا عَنْ عَدُوِّهِ كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُ فِي الْقُرْآنِ بِكَثِيرٍ مِنْ قَوْلِهِ وَأَفْعَالِهِ ، وَإِدْخَالُ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ لَهَا فِي تَفْسِيرِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ، كَمَا نَجِدُ بِالْمُسْلِمِينَ مَنْ يُدْخِلُ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ كَثِيرًا مِنَ الْأَحَادِيثِ وَالْأَخْبَارِ وَالْقِصَصِ الَّتِي لَا أَصْلَ لَهَا ، وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي هِيَ أَكْمَلُ الْأُمَمِ عُلُومًا وَعُقُولًا ، فَمَا الظَّنُّ بِأَهْلِ الْكِتَابِ ؟ الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنْ يُقَالَ لِعَدُوِّ اللَّهِ : قَدْ نَاقَضْتَ فِي أَسْئِلَتِكَ مَا اعْتَرَفْتَ بِهِ غَايَةَ الْمُنَاقَضَةِ ، وَجَعَلْتَ مَا أَسْلَفْتَ مِنَ التَّسْلِيمِ وَالِاعْتِرَافِ مُبْطِلًا لِجَمِيعِ أَسْئِلَتِكَ مُتَضَمِّنًا لِلْجَوَابِ عَنْهَا قَبْلَ ذِكْرِهَا ، وَذَلِكَ أَنَّكَ قُلْتَ : ( رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) فَاعْتَرَفْتَ بِأَنَّهُ رَبُّكَ وَخَالِقُكَ وَمَالِكُكَ ، وَأَنَّكَ مَخْلُوقٌ لَهُ مَرْبُوبٌ تَحْتَ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ ، وَإِنَّمَا شَأْنُكَ أَنْ تَتَصَرَّفَ فِي نَفْسِكَ تَصَرُّفَ الْعَبْدِ الْمَأْمُورِ الْمَنْهِيِّ الْمُسْتَعْذِبِ لِأَوَامِرِ سَيِّدِهِ وَنَوَاهِيهِ ، وَهَذِهِ الْغَايَةُ الَّتِي خُلِقْتَ لَهَا ، وَهِيَ غَايَةُ الْخَلْقِ وَكَمَالُ سَعَادَتِهِمْ ، وَهَذَا الِاعْتِرَافُ مِنْكَ بِرُبُوبِيَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَعِزَّتِهِ يَتَضَمَّنُ إِقْرَارَكَ بِكَمَالِ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَغِنَاهُ ، وَأَنَّهُ فِي كُلِّ مَا أَقَرَّ عَلِيمٌ حَكِيمٌ لَمْ يَأْمُرْ عَبْدَهُ لِحَاجَةٍ مِنْهُ إِلَى مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدَهُ ، وَلَا نَهَاهُ بُخْلًا عَلَيْهِ بِمَا نَهَاهُ ، بَلْ أَمَرَهُ رَحْمَةً مِنْهُ بِهِ وَإِحْسَانًا إِلَيْهِ بِمَا فِيهِ صَلَاحُهُ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ وَمَا لَا صَلَاحَ لَهُ إِلَّا بِهِ ، وَنَهَاهُ عَمَّا فِي ارْتِكَابِهِ فَسَادُهُ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ ، فَكَانَتْ نِعْمَتُهُ عَلَيْهِ بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ أَعْظَمَ مِنْ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ بِمَأْكَلِهِ وَمَشْرَبِهِ وَلِبَاسِهِ وَصِحَّةِ بَدَنِهِ بِمَا لَا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ فِي آخِرِ فَصْلٍ مَعَ الْأَبَوَيْنِ : ( يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ لِبَاسَ التَّقْوَى وَزِينَتَهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ وَالرِّيشِ وَالْجَمَالِ الظَّاهِرِ . فَاللَّهُ تَعَالَى خَلَقَ عَبْدَهُ وَجَمَّلَ ظَوَاهِرَهُمْ بِأَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ، وَجَمَّلَ بَوَاطِنَهُمْ بِهِدَايَتِهِمْ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ ، وَلِهَذَا كَانَتْ صُورَتُكَ قَبْلَ مَعْصِيَةِ رَبِّكَ مِنْ أَحْسَنِ الصُّوَرِ ، وَأَنْتَ مَعَ مَلَائِكَتِهِ الْأَكْبَرِينَ ، فَلَمَّا وَقَعَ مَا وَقَعَ جَعَلَ صُورَتَكَ وَشَنَاعَةَ مَنْظَرِكَ مَثَلًا يُضْرَبُ لِكُلِّ قَبِيحٍ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ) فَهَذِهِ أَوَّلُ نَقْدَةٍ تَعَجَّلْتَهَا مِنْ مَعْصِيَتِهِ ، وَلَا رَيْبَ أَنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ وَأَعْلَمُ الْعَالِمِينَ وَأَغْنَى الْأَغْنِيَاءِ وَأَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرِ الْعِبَادَ إِلَّا بِمَا فِعْلُهُ خَيْرٌ لَهُمْ وَأَصْلَحُ وَأَنْفَعُ لَهُمْ مِنْ تَرْكِهِ فَأَمَرَهُمْ بِمَا أَمَرَهُمْ لِمَصْلَحَةٍ عَائِدَةٍ عَلَيْهِمْ ، كَمَا رَزَقَهُمُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَغَيْرَهُمَا مِنَ النِّعَمِ ، فَالسُّعَدَاءُ اسْتَعْمَلُوا أَمْرَهُ وَشَرْعَهُ لِحِفْظِ صِحَّةِ قُلُوبِهِمْ وَكَمَالِهِ وَصَلَاحِهَا بِمَنْزِلَةِ اسْتِعْمَالِهِمْ رِزْقَهُ لِحِفْظِ صِحَّةِ أَجْسَامِهِمْ وَصَلَاحِهَا ، وَتَيَقَّنُوا أَنَّهُ كَمَا لَا بَقَاءَ لِلْبَدَنِ وَلَا صِحَّةَ وَلَا صَلَاحَ إِلَّا بِتَنَاوُلِ غِذَائِهِ الَّذِي جُعِلَ لَهُ ، فَكَذَلِكَ لَا صَلَاحَ لِلْقَلْبِ وَالرُّوحِ ، وَلَا فَلَاحَ وَلَا نَعِيمَ إِلَّا بِتَنَاوُلِ غِذَائِهِ الَّذِي جُعِلَ لَهُ . هَذَا وَإِنْ أَلْقَيْتَ إِلَى طَائِفَةٍ مِنَ النَّاسِ أَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ لِلْمُكَلَّفِينَ فِيمَا أُمِرُوا بِهِ وَنُهُوا عَنْهُ ، وَلَا مَنْفَعَةَ لَهُمْ فِيهِ وَلَا خَيْرَ ، وَلَا فَرْقَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَيْنَ فِعْلِ هَذَا وَتَرْكِ هَذَا ، وَلَكِنْ أُمِرُوا وَنُهُوا لِمُجَرَّدِ الِامْتِحَانِ وَالِاخْتِيَارِ وَلَا فَرْقَ ، فَلَمْ يُؤْمَرُوا بِحَسَنٍ وَلَمْ يُنْهَوْا عَنْ قَبِيحٍ ، بَلْ لَيْسَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا حَسَنٌ وَلَا قَبِيحٌ ، وَمِنْ عَجِيبِ أَمْرِكَ وَأَمْرِهِمْ أَنَّكَ أَوْحَيْتَ إِلَيْهِمْ هَذَا فَرَدُّوا بِهِ عَلَيْكَ فَجَعَلُوهُ جَوَابَ أَسْئِلَتِكَ فَدَفَعُوهَا كُلَّهَا ، وَقَالُوا : إِنَّمَا تَتَوَجَّهُ هَذِهِ الْأَسْئِلَةُ فِي حَقِّ مَنْ يَفْعَلُ لِعِلَّةٍ أَوْ غَرَضٍ ، وَأَمَّا مَنْ فِعْلُهُ بَرِيءٌ مِنَ الْعِلَلِ وَالْأَغْرَاضِ فَلَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ سُؤَالٌ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ ، فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ حَقًّا فَقَدِ انْدَفَعَتْ أَسْئِلَتُكَ كُلُّهَا ، وَإِنْ كَانَتْ بَاطِلًا وَالْحَقُّ فِي خِلَافِهَا فَقَدْ بَطَلَتْ أَسْئِلَتُكَ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ ، يُوَضِّحُهُ : الْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنْ تَقُولَ لِعَدُوِّ اللَّهِ : إِمَّا أَنْ تُسَلِّمَ حُكْمَ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ ، وَإِمَّا أَنْ تَجْحَدَهُ وَتُنْكِرَهُ ، فَإِنْ سَلَّمْتَهَا وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ حَكِيمٌ فِي خَلْقِكَ حَكِيمٌ فِي أَمْرِكَ بِالسُّجُودِ ، بَطَلَتِ الْأَسْئِلَةُ وَكُنْتَ مُعْتَرِفًا بِأَنَّكَ أَوْرَدْتَهَا عَلَى مَنْ تُبْهِرُ حِكْمَتُهُ الْعُقُولَ ، فَبِتَسْلِيمِكَ هَذِهِ الْحِكْمَةَ الَّتِي لَا سَبِيلَ لِلْمَخْلُوقِينَ إِلَى الْمُشَارَكَةِ فِيهَا يَعُودُ عَلَى أَسْئِلَتِكَ الْفَاسِدَةِ بِالنَّقْضِ ، وَإِنْ رَجَعْتَ عَنِ الْإِقْرَارِ لَهُ بِالْحِكْمَةِ ، وَقُلْتَ : لَا يَفْعَلُ لِحِكْمَةٍ الْبَتَّةَ بَلْ ( لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ) فَمَا وَجْهُ إِيرَادِ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يَفْعَلْ لِحِكْمَةٍ ؟ فَقَدْ أَوْرَدْتَ الْأَسْئِلَةَ عَلَى مَنْ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ، وَطَعَنْتَ فِي حِكْمَةِ مَنْ كُلُّ أَفْعَالِهِ حِكْمَةٌ وَمَصْلَحَةٌ وَعَدْلٌ وَخَيْرٌ بِمَعْقُولِكَ الْفَاسِدِ . الْوَجْهُ الرَّابِعُ : أَنَّ اللَّهَ فَطَرَ عِبَادَهُ ، حَتَّى الْحَيَوَانَ ، عَلَى اسْتِحْسَانِ وَضْعِ الشَّيْءِ فِي مَوْضِعِهِ وَالْإِتْيَانِ بِهِ فِي وَقْتِهِ وَحُصُولِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ ، وَعَلَى اسْتِقْبَاحِ ضِدِّ ذَلِكَ وَخِلَافِهِ ، وَأَنَّ الْأَوَّلَ دَالٌّ عَلَى كَمَالِ فَاعِلِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ ، وَضِدُّهُ دَالٌّ عَلَى نَقْصِهِ ، وَهَذِهِ فِطْرَةٌ لَا يُمْكِنُهُمُ الْخُرُوجُ عَنْ مُوجِبِهَا ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ يَضَعُ الْأَشْيَاءَ فِي مَوَاضِعِهَا الَّتِي لَا يَلِيقُ بِهَا سِوَاهَا ، وَيَخُصُّهَا مِنَ الصِّفَاتِ وَالْأَشْكَالِ وَالْهَيْئَاتِ وَالْمَقَادِيرِ بِمَا هُوَ أَنْسَبُ لَهَا مِنْ غَيْرِهِ ، وَأَبْرَزُهَا فِي أَوْقَاتِهَا الْمُنَاسِبَةِ لَهَا ، وَمَنْ لَهُ نَظَرٌ صَحِيحٌ وَأَعْطَى التَّأَمُّلَ حَقَّهُ شَهِدَ ذَلِكَ فِيمَا رَآهُ وَعَلِمَهُ ، وَاسْتَدَلَّ بِمَا شَاهَدَهُ عَلَى مَا خَفِيَ عَنْهُ ، وَقَدْ نَدَبَ سُبْحَانَهُ عِبَادَهُ إِلَى ذَلِكَ فَقَالَ ( وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ) .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية