الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة

ابن القيم - أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية

جزء صفحة
الْوَجْهُ الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ : إِنَّ مِنْ أَعْجَبِ الْعَجَبِ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فَرُّوا مِنَ الْقَوْلِ بِعُلُوِّ اللَّهِ وَاسْتِوَائِهِ عَلَى عَرْشِهِ خَشْيَةَ التَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ قَدِ اعْتَرَفُوا بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُمْ إِثْبَاتُ الصَّانِعِ إِلَّا بِنَوْعٍ مِنَ التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ ، كَمَا قَالَ الْآمِدِيُّ فِي مَسْأَلَةِ حُدُوثِ الْأَجْسَامِ ، لَمَّا ذَكَرَ شُبَهَ الْقَائِلِينَ بِالْقِدَمِ ، قَالَ : الْوَجْهُ الْعَاشِرُ : لَوْ كَانَ حَدَثًا فَمُحْدِثُهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، أَوْ مُخَالِفًا لَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، أَوْ مُمَاثِلًا لَهُ مِنْ وَجْهٍ مُخَالِفًا لَهُ مِنْ وَجْهٍ ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَهُوَ حَادِثٌ ، وَالْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي الْأَوَّلِ ، وَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ الْمُمْتَنِعُ ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَالْمُحْدَثُ لَهُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ مُخَالِفًا لَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، وَهُوَ خِلَافُ الْفَرْضِ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ مُفِيدًا لِلْوُجُودِ ، وَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ فَمِنْ جِهَةِ مَا هُوَ مُمَاثِلٌ لِلْحَادِثِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا ، وَالْكَلَامُ فِيهِ كَالْأَوَّلِ ، وَهُوَ التَّسَلْسُلُ الْمُحَالُ ، وَهَذِهِ الْمَجَالَاتُ إِنَّمَا نَشَأَتْ مِنَ الْقَوْلِ بِكَوْنِهِ مُحْدِثًا لِلْعَالَمِ . قَالَ : وَالْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ أَنَّ الْمُخْتَارَ مِنْ أَقْسَامِهَا إِنَّمَا هُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ ، وَلَا يَلْزَمُ مَنْ كَوْنِ الْقَدِيمِ مُمَاثِلًا لِلْحَادِثِ مَنْ وَجْهٍ أَنْ يَكُونَ مُمَاثِلًا لِلْحَادِثِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ حَادِثًا ، بَلْ لَا مَانِعَ مِنَ الِاخْتِلَافِ بَيْنَهُمَا فِي صِفَةِ الْقِدَمِ وَالْحُدُوثِ ، وَإِنَّمَا تَمَاثَلَا بِأَمْرٍ آخَرَ ، وَهَذَا كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ يَخْتَلِفَانِ مَنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ لِاسْتِحَالَةِ اخْتِلَافِهِمَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، وَإِلَّا لَمَا اشْتَرَكَا فِي الْعَرَضِيَّةِ وَالْكَوْنِيَّةِ وَالْحُدُوثِ ، وَلِاسْتِحَالَةِ تُمَاثُلِهِمَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ; وَإِلَّا كَانَ السَّوَادُ بَيَاضًا ; وَمَعَ ذَلِكَ فَمَا لَزِمَ مِنْ مُمَاثَلَةِ السَّوَادِ لِلْبَيَاضِ مِنْ وَجْهٍ أَنْ يَكُونَ مُمَاثِلًا لَهُ فِي صِفَةِ الْبَيَاضِيَّةِ . فَيُقَالُ : يَا لَلَّهِ الْعَجَبَ : هَلَّا قَبِلْتُمْ هَذَا الْجَوَابَ فِي إِثْبَاتِ عُلُوِّ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَاسْتِوَائِهِ عَلَى عَرْشِهِ وَإِثْبَاتِ صِفَاتِ كَمَالِهِ كُلِّهَا ، وَأَجَبْتُمْ بِهَذَا الْجَوَابِ مَنْ قَالَ لَكُمْ مِنَ الْمُعَطِّلَةِ وَالنُّفَاةِ : لَوْ كَانَ لَهُ صِفَاتٌ لَزِمَ مُمَاثَلَتُهُ لِلْمَخْلُوقَاتِ ؟ وَلِمَ لَا تَقْنَعُونَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمُثْبِتِينَ لِصِفَاتِ كَمَالِهِ بِمِثْلِ هَذَا الْجَوَابِ الَّذِي أَجَبْتُمْ بِهِ مَنْ أَنْكَرَ حُدُوثَ الْعَالَمِ ؟ بَلْ إِذَا أَجَابُوكُمْ بِهِ قَلَبْتُمْ لَهُمْ ظَهْرَ الْمِجَنِّ وَصَرَّحْتُمْ بِتَكْفِيرِهِمْ وَتَبْدِيعِهِمْ ، وَإِذَا أَجَبْتُمْ أَنْتُمْ بِهِ بِعَيْنِهِ كُنْتُمْ مُوَحِّدِينَ . يُقَالُ : هَلْ لِلرَّبِّ مَاهِيَّةٌ مُتَمَيِّزَةٌ عَنْ سَائِرِ الْمَاهِيَّاتِ يَخْتَصُّ بِهَا لِذَاتِهِ ، أَمْ تَقُولُونَ لَا مَاهِيَّةَ لَهُ ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ بِالثَّانِي كَانَ هَذَا إِنْكَارًا لَهُ وَجُحُودًا ; أَوْ جَعْلَهُ وُجُودًا مُطْلَقًا لَا مِلْكِيَّةَ لَهُ ، وَإِنْ قُلْتُمْ : بَلْ لَهُ ذَاتٌ مَخْصُوصَةٌ وَمَاهِيَّةٌ مُتَمَيِّزَةٌ عَنْ سَائِرِ الذَّوَاتِ وَالْمَاهِيَّاتِ ، قِيلَ لَكُمْ : فَمَاهِيَّتُهُ وَذَاتُهُ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ بَلْ ذَاهِبَةٌ فِي الْأَبْعَادِ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ أَمْ مُتَنَاهِيَةٌ ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ بِالْأَوَّلِ لَزِمَ مِنْهُ مُحَالَاتٌ غَيْرُ وَاحِدَةٍ ، وَإِنْ قُلْتُمْ بِالثَّانِي بَطَلَ الْمُبَايَنَةُ وَالْجِهَةُ ، وَهَذَا لَا مَحِيدَ عَنْهُ ، وَإِنْ قُلْتُمْ : لَا نَقُولُ لَهُ مَاهِيَّةٌ وَلَا لَيْسَتْ لَهُ مَاهِيَّةٌ قِيلَ : لَا يَلِيقُ بِالْعُقُولِ الْمُخَالِفَةِ لِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ إِلَّا هَذَا الْمُحَالُ وَالْبَاطِلُ ، وَإِنْ قُلْتُمْ : بَلْ لَهُ ذَاتٌ مَخْصُوصَةٌ وَمَاهِيَّةٌ مُتَمَيِّزَةٌ عَنْ سَائِرِ الْمَاهِيَّاتِ وَلَا غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ ، لِأَنَّهَا لَا تَقْبَلُ وَاحِدًا مِنَ الْأَمْرَيْنِ ، وَقِيلَ : يَتَقَابَلَانِ تَقَابُلَ السَّلْبِ وَالْإِيجَابِ ، فَلَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا ، كَمَا لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ ، وَالْقِدَمِ وَالْحُدُوثِ ، وَالسَّبْقِ وَالْمُقَارَنَةِ ، وَالْقِيَامِ بِالنَّفْسِ وَالْقِيَامِ بِالْغَيْرِ ، وَتَقْدِيرُ قِسْمٍ آخَرَ لَا يَقْبَلُ وَاحِدًا مِنَ الْأَمْرَيْنِ تَقْدِيرٌ ذِهْنِيٌّ يَفْرِضُهُ الذِّهْنُ كَمَا يَفْرِضُ سَائِرَ الْمُحَالَاتِ ، وَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى وُجُودِهِ فِي الْخَارِجِ وَلَا إِمْكَانَهُ ، قَالَ : التَّقْسِيمُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَعْلُومَ إِمَّا قَدِيمٌ وَإِمَّا حَادِثٌ ، وَإِمَّا لَا قَدِيمٌ وَلَا حَادِثٌ ، كَانَ التَّقْسِيمُ ذِهْنِيًّا لَا خَارِجِيًّا ، وَإِنَّ سَلْبَ النَّقِيضِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فِي الْإِحَالَةِ كَإِثْبَاتِ النَّقِيضَيْنِ ؟ فَصْلٌ : يُقَالُ : ذَاتُهُ سُبْحَانَهُ ; إِمَّا أَنْ تَكُونَ قَابِلَةَ الْعُلُوِّ عَلَى الْعَالَمِ ، أَوْ لَا تَكُونُ قَابِلَةً ، فَإِنْ كَانَتْ قَابِلَةً وَجَبَ وُجُودُ الْقَبُولِ لِأَنَّهُ صِفَةُ كَمَالٍ ، لِأَنَّ قَبُولَهَا لِذَلِكَ هُوَ مِنْ لَوَازِمِهَا ، كَقَبُولِ الذَّاتِ لِلْعِلْمِ وَالْحَيَاةِ وَالْقُدْرَةِ وَالسَّمْعِ ، فَوَجَدُوا هَذَا إِلْزَامًا لِلذَّاتِ ضَرُورَةً ، وَلِأَنَّهَا إِذْ قَبِلَتْهُ فَلَوْ لَمْ تَتَّصِفْ بِهِ لَاتَّصَفَتْ بِضِدِّهِ ، وَهُوَ نَقْصٌ يَتَعَالَى اللَّهُ وَيَتَقَدَّسُ عَنْهُ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَابِلَةً لِلْعُلُوِّ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ قَابِلُ الْعُلُوِّ أَكْمَلَ مِنْهَا ، لِأَنَّ مَا يَقْبَلُ أَنْ يَكُونَ عَالِيًا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِيًا أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَقْبَلُ الْعُلُوَّ وَمَا قَبِلَهُ وَكَانَ عَالِيًا أَكْمَلَ مِمَّنْ قَبِلَهُ وَلَمْ يَكُنْ عَالِيًا ، فَالْمَرَاتِبُ ثَلَاثَةٌ : أَدْنَاهَا مَا لَا يَقْبَلُ الْعُلُوَّ وَأَعْلَاهَا مَا قَبِلَهُ وَاتَّصَفَ بِهِ ، وَالَّذِي يُوَضِّحُ ذَلِكَ : أَنَّ مَا لَا يَقْبَلُ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ غَيْرِهِ وَلَا عَالِيًا عَلَيْهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَرَضًا مِنَ الْأَعْرَاضِ لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ ، وَلَا يَقْبَلُ أَنْ يَكُونَ عَالِيًا عَلَى غَيْرِهِ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرًا عَدَمِيًّا لَا يَقْبَلُ ذَلِكَ ، وَأَمَّا إِثْبَاتُ ذَاتٍ قَائِمَةٍ بِنَفْسِهَا مُتَّصِفَةٍ بِالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْقُدْرَةِ وَالْحَيَاةِ وَالْإِرَادَةِ وَالْعِلْمِ وَالْفِعْلِ ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا تَقْبَلُ أَنْ تَكُونَ عَالِيَةً عَلَى غَيْرِهَا ، فَهَذَا بِإِمْكَانٍ تَصَوُّرُهُ قَبْلَ التَّصْدِيقِ بِوُجُودِهِ وَلَيْسَ مَعَ مَنِ ادَّعَى إِمْكَانَهُ إِلَّا الْكُلِّيَّاتِ ، وَكِلَاهُمَا وُجُودُهُ ذِهْنِيٌّ لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْخَارِجِ وَإِلَّا فَمَا لَهُ وُجُودٌ خَارِجِيٌّ ، وَهُوَ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ لَهُ ذَاتٌ يَخْتَصُّ بِهَا عَنْ سَائِرِ الذَّوَاتِ مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْحَيِّ الْفَعَّالِ لَا يُمْكِنُ إِلْحَاقُهُ بِالْكُلِّيَّاتِ وَالْمُجَرَّدَاتِ الَّتِي هِيَ خَيَالَاتٌ ذِهْنِيَّةٌ لَا أُمُورٌ خَارِجِيَّةٌ ، وَقَدِ اعْتَرَفَ الْمُتَكَلِّمُونَ بِأَنَّ وُجُودَ الْكُلِّيَّاتِ وَالْمُجَرَّدَاتِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية