الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الجملة الثانية .

وهي النظر في أحكام الطوارئ .

الفصل الأول منه .

وهو النظر في الفسوخ .

فنقول : إن الفقهاء اختلفوا في عقد الإجارة ; فذهب الجمهور إلى أنه عقد لازم ، وحكي عن قوم أنه عقد جائز تشبيها بالجعل والشركة .

والذين قالوا : إنه عقد لازم اختلفوا فيما ينفسخ به :

فذهب جماعة فقهاء الأمصار مالك ، والشافعي ، وسفيان الثوري ، وأبو ثور ، وغيرهم إلى أنه لا ينفسخ إلا بما تنفسخ به العقود اللازمة من وجود العيب بها أو ذهاب محل استيفاء المنفعة .

وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : يجوز فسخ عقد الإجارة للعذر الطارئ على المستأجر ، مثل أن يكري دكانا يتجر فيه فيحترق متاعه أو يسرق .

وعمدة الجمهور قوله تعالى : ( أوفوا بالعقود ) ; لأن الكراء عقد على منافع فأشبه النكاح ، ولأنه عقد على معاوضة فلم ينفسخ ، أصله البيع .

وعمدة أبي حنيفة : أنه شبه ذهاب ما به تستوفى المنفعة بذهاب العين التي فيها المنفعة .

وقد اختلف قول مالك إذا كان الكراء في غير مخصوص على استيفاء منفعة من جنس مخصوص : فقال عبد الوهاب : الظاهر من مذهب أصحابنا أن محل استيفاء المنافع لا يتعين في الإجارة ، وإن عين فذلك كالوصف لا ينفسخ ببيعه أو ذهابه ، بخلاف العين المستأجرة إذا تلفت ، قال : وذلك مثل أن يستأجر على رعاية غنم بأعيانها ، أو خياطة قميص بعينه ، فتهلك الغنم ويحترق الثوب فلا ينفسخ العقد ، وعلى المستأجر أن يأتي بغنم مثلها ليرعاها ، أو قميص مثله ليخيطه ، قال : وقد قيل إنها تتعين بالتعيين فينفسخ العقد بتلف المحل . وقال بعض المتأخرين : إن ذلك ليس اختلافا في المذهب; وإنما ذلك على قسمين : أحدهما : أن يكون المحل المعين لاستيفاء المنافع مما تقصد عينه ، أو مما لا تقصد عينه ، فإن كان مما تقصد عينه انفسخت الإجارة كالظئر إذا مات الطفل ، وإن كان مما لا يقصد عينه لم تنفسخ الإجارة على رعاية الغنم أو بيع طعام في حانوت وما أشبه ذلك . واشتراط ابن القاسم في المدونة أنه إذا [ ص: 583 ] استأجر على غنم بأعيانها فإنه لا يجوز إلا أن يشترط الخلف; هو التفات منه إلى أنها تنفسخ بذهاب محل استيفاء المعين ، لكن لما رأى التلف سائقا إلى الفسخ رأى أنه من باب الغرر ، فلم يجز الكراء عليها إلا باشتراط الخلف .

ومن نحو هذا اختلافهم في هل ينفسخ الكراء بموت أحد المتعاقدين ( أعني : المكري والمكتري ) ; فقال مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور : لا ينفسخ ويورث عقد الكراء .

وقال أبو حنيفة ، والثوري ، والليث : ينفسخ . وعمدة من لم يقل بالفسخ : أنه عقد معاوضة ، فلم ينفسخ بموت أحد المتعاقدين أصله البيع .

وعمدة الحنفية : أن الموت نقلة لأصل الرقبة المكتراة من ملك إلى ملك ، فوجب أن يبطل ، أصله البيع في العين المستأجرة مدة طويلة ( أعني : أنه لا يجوز ) ، فلما كان لا يجتمع العقدان معا غلب هاهنا انتقال الملك ، وإلا بقي الملك ليس له وارث ، وذلك خلاف الإجماع ، وربما شبهوا الإجارة بالنكاح; إذ كان كلاهما استيفاء منافع ، والنكاح يبطل بالموت وهو بعيد .

وربما احتجوا على المالكية فقط بأن الأجرة عندهم تستحق جزءا فجزءا بقدر ما يقبض من المنفعة ، قالوا : وإن كان هذا هكذا فإن مات المالك وبقيت الإجارة ، فإن المستأجر يستوفي في ملك الوارث حقا بموجب عقد في غير ملك العاقد وذلك لا يصح ، وإن مات المستأجر فتكون الأجرة مستحقة عليه بعد موته ، والميت لا يثبت عليه دين بإجماع بعد موته .

وأما الشافعية : فلا يلزمهم هذا; لأن استيفاء الأجرة يجب عندهم بنفس العقد على ما سلف من ذلك .

وعند مالك : أن أرض المطر إذا أكريت فمنع القحط من زراعتها ، أو زرعها ، فلم ينبت الزرع لمكان القحط أن الكراء ينفسخ ، وكذلك إذا استعذرت بالمطر حتى انقضى زمن الزراعة ، فلم يتمكن المكتري من أن يزرعها ، وسائر الجوائح التي تصيب الزرع لا يحط عنه من الكراء شيء ، وعنده أن الكراء الذي يتعلق بوقت ما أنه إن كان ذلك الوقت مقصودا مثل كراء الرواحل في أيام الحج ، فغاب المكري عن ذلك الوقت ، أنه ينفسخ الكراء . وأما إن لم يكن الوقت مقصودا فإنه لا ينفسخ ، هذا كله عنده في الكراء الذي يكون في الأعيان .

فأما الكراء الذي يكون في الذمة : فإنه لا ينفسخ عنده بذهاب العين التي قبض المستأجر ليستوفي منها المنفعة ; إذ كان لم ينعقد الكراء على عين بعينها ، وإنما انعقد على موصوف في الذمة .

وفروع هذا الباب كثيرة ، وأصوله هي هذه التي ذكرناها .

التالي السابق


الخدمات العلمية