الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          [ ص: 431 ]

                          النظر في الكناية

                          506- وإذ قد عرفت هذه الجملة، فينبغي أن تنظر إلى هذه المعاني واحدا واحدا، وتعرف محصولها وحقائقها، وأن تنظر أولا إلى " الكناية " . وإذا نظرت إليها وجدت حقيقتها ومحصول أمرها أنها إثبات لمعنى، أنت تعرف ذلك المعنى من طريق المعقول دون طريق اللفظ . ألا ترى أنك لما نظرت إلى قولهم : " هو كثير رماد القدر " وعرفت منه أنهم أرادوا أنه كثير القرى والضيافة لم تعرف ذلك من اللفظ ولكنك عرفته بأن رجعت إلى نفسك فقلت : “ إنه كلام قد جاء عنهم في المدح ولا معنى للمدح بكثرة الرماد " . فليس إلا أنهم أرادوا أن يدلوا بكثرة الرماد على أنه تنصب له القدور الكثيرة ويطبخ فيها للقرى والضيافة، وذلك لأنه إذا كثر الطبخ في القدور كثر إحراق الحطب تحتها ، وإذا كثر إحراق الحطب كثر الرماد لا محالة . وهكذا السبيل في كل ما كان " كناية " فليس من لفظ الشعر عرفت أن ابن هرمة أراد بقوله :


                          ولا أبتاع إلا قريبة الأجل



                          التمدح بأنه مضياف . ولكنك عرفته بالنظر اللطيف، وبأن علمت أنه لا معنى للتمدح بظاهر ما يدل عليه اللفظ من قرب أجل ما يشتريه، فطلبت له تأويلا ، فعلمت أنه أراد أنه يشتري ما يشتريه للأضياف . فإذا اشترى شاة أو بعيرا، كان قد اشترى ما قد دنا أجله لأنه يذبح وينحر عن قريب .

                          النظر في " الاستعارة "

                          507- وإذ قد عرفت هذا في " الكناية "، " فالاستعارة " في هذه القضية. وذاك أن موضوعها على أنك تثبت بها معنى لا يعرف السامع ذلك المعنى من اللفظ ، ولكنه يعرفه من معنى اللفظ .

                          [ ص: 432 ]

                          بيان هذا أنا نعلم أنك لا تقول : “ رأيت أسدا " . إلا وغرضك أن تثبت للرجل أنه مساو للأسد في شجاعته وجرأته وشدة بطشه وإقدامه، وفي أن الذعر لا يخامره والخوف لا يعرض له . ثم تعلم أن السامع إذا عقل هذا المعنى لم يعقله من لفظ " أسد " ولكنه يعقله من معناه " وهو أنه يعلم أنه لا معنى لجعله " أسدا " مع العلم بأنه " رجل " إلا أنك أردت أنه بلغ من شدة مشابهته للأسد ومساواته إياه، مبلغا يتوهم معه أنه أسد بالحقيقة، فاعرف هذه الجملة وأحسن تأملها .

                          الاستعارة يراد بها المبالغة لا نقل اللفظ عما وضع له في اللغة

                          508- واعلم أنك ترى الناس وكأنهم يرون أنك إذا قلت : " رأيت أسدا " وأنت تريد التشبيه كنت نقلت لفظ أسد عما وضع له في اللغة، واستعملته في معنى غير معناه، حتى كأن ليس الاستعارة إلا أن تعمد إلى اسم الشيء فتجعله اسما لشبيهه، وحتى كأن لا فصل بين " الاستعارة " وبين تسمية المطر " سماء " والنبت " غيثا " والمزادة " راوية " وأشباه ذلك مما يوقع فيه اسم الشيء على ما هو منه بسبب . ويذهبون عما هو مركوز في الطباع من أن المعنى فيه المبالغة، وأن يدعي في الرجل أنه ليس برجل ولكنه أسد بالحقيقة، . وأنه إنما يعار اللفظ من بعد أن يعار المعنى وأنه لا يشرك في اسم " الأسد " إلا من بعد أن يدخل في جنس الأسد . لا ترى أحدا يعقل إلا وهو يعرف ذلك إذا رجع إلى نفسه أدنى رجوع .

                          ومن أجل أن كان الأمر كذلك، رأيت العقلاء كلهم يثبتون القول بأن من شأن " الاستعارة " أن تكون أبدا أبلغ من الحقيقة، وإلا فإن كان ليس [ ص: 433 ] هاهنا إلا نقل اسم من شيء إلى شيء، فمن أين يجب - ليت شعري - أن تكون الاستعارة أبلغ من الحقيقة، ويكون لقولنا : " رأيت أسدا " مزية على قولنا : “ رأيت شبيها بالأسد " ؟ وقد علمنا أنه محال أن يتغير الشيء في نفسه بأن ينقل إليه اسم قد وضع لغيره، من بعد أن لا يراد من معنى ذلك الاسم فيه شيء بوجه من الوجوه، بل يجعل كأنه لم يوضع لذلك المعنى الأصلي أصلا. وفي أي عقل يتصور أن يتغير معنى " شبيها بالأسد " بأن يوضع لفظ " أسد " عليه وينقل إليه .

                          509- واعلم أن العقلاء بنوا كلامهم، إذ قاسوا وشبهوا، على أن الأشياء تستحق الأسامي لخواص معان هي فيها دون ما عداها ، فإذا أثبتوا خاصة شيء لشيء أثبتوا له اسمه . فإذا جعلوا " الرجل " بحيث لا تنقص شجاعته عن شجاعة الأسد ولا يعدم منها شيئا، قالوا : هو أسد . وإذا وصفوه بالتناهي في الخير والخصال الشريفة، أو بالحسن الذي يبهر قالوا : " هو ملك " . وإذا وصفوا الشيء بغاية الطيب قالوا : " هو مسك " وكذلك الحكم أبدا .

                          ثم إنهم إذا استقصوا في ذلك نفوا عن المشبه اسم جنسه فقالوا : " ليس هو بإنسان وإنما هو أسد " . وليس هو آدميا وإنما هو ملك " ، كما قال الله تعالى : « ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم » [ سورة يوسف : 31 ] .

                          [ ص: 434 ]

                          ثم إن لم يريدوا أن يخرجوه عن جنسه جملة قالوا : " هو أسد في صورة إنسان " و " هو ملك في صورة آدمي " . وقد خرج هذا للمتنبي في أحسن عبارة وذلك في قوله :


                          نحن ركب ملجن في زي ناس     فوق طير لها شخوص الجمال



                          510- ففي هذه الجملة بيان لمن عقل أن ليست " الاستعارة " نقل اسم عن شيء إلى شيء، ولكنها ادعاء معنى الاسم لشيء . إذ لو كانت نقل اسم وكان قولنا : " رأيت أسدا " بمعنى : " رأيت شبيها بالأسد " ولم يكن ادعاء أنه أسد بالحقيقة لكان محالا أن يقال : " ليس هو بإنسان ولكنه أسد " أو هو أسد في صورة إنسان . كما أنه محال أن يقال : " ليس هو بإنسان ولكنه شبيه بأسد " أو يقال : " هو شبيه بأسد في صورة إنسان " .

                          511- واعلم أنه قد كثر في كلام الناس استعمال لفظ " النقل " في " الاستعارة " . فمن ذلك قولهم : " إن الاستعارة تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة على سبيل النقل " . وقال القاضي أبو الحسن : " الاستعارة ما اكتفي فيه بالاسم المستعار عن الأصلي، ونقلت العبارة فجعلت في مكان غيرها " .

                          [ ص: 435 ] ومن شأن ما غمض من المعاني ولطف، أن يصعب تصويره على الوجه الذي هو عليه لعامة الناس، فيقع لذلك في العبارات التي يعبر بها عنه، ما يوهم الخطأ ، وإطلاقهم في " الاستعارة " أنها " نقل للعبارة عما وضعت له " من ذلك، فلا يصح الأخذ به . وذلك أنك إذا كنت لا تطلق اسم " الأسد " على الرجل إلا من بعد أن تدخله في جنس الأسود من الجهة التي بينا، لم تكن نقلت الاسم عما وضع له بالحقيقة، لأنك إنما تكون ناقلا إذا أنت أخرجت معناه الأصلي من أن يكون مقصودك ونفضت به يدك . فأما أن تكون ناقلا له عن معناه مع إرادة معناه فمحال متناقض .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية