الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

الجزء الثاني [ أسباب الفساد العامة في البيوع المطلقة ] وإذا اعتبرت الأسباب التي من قبلها ورد النهي الشرعي في البيوع ، ( وهي أسباب الفساد العامة ) وجدت أربعة : أحدها : تحريم عين المبيع . والثاني : الربا . والثالث : الغرر . والرابع : الشروط التي تئول إلى أحد هذين أو لمجموعهما .

وهذه الأربعة هي بالحقيقة أصول الفساد ، وذلك أن النهي إنما تعلق فيها بالبيع من جهة ما هو بيع لا لأمر من خارج .

وأما التي ورد النهي فيها لأسباب من خارج; فمنها الغش; ومنها الضرر; ومنها لمكان الوقت المستحق بما هو أهم منه; ومنها لأنها محرمة البيع . [ ص: 497 ] ففي هذا الجزء أبواب : الباب الأول في الأعيان المحرمة البيع

وهذه على ضربين : نجاسات ، وغير نجاسات . فأما بيع النجاسات فالأصل في تحريمها حديث جابر ، ثبت في الصحيحين قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " إن الله ورسوله حرما بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام ، فقيل : يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويستصبح بها ؟ فقال : " لعن الله اليهود حرمت الشحوم عليهم فباعوها وأكلوا أثمانها " ، وقال في الخمر : " إن الذي حرم شربها حرم بيعها " .

والنجاسات على ضربين : ضرب اتفق المسلمون على تحريم بيعها وهي الخمر وأنها نجسة ، إلا خلافا شاذا في الخمر ( أعني : في كونها نجسة ) ، والميتة بجميع أجزائها التي تقبل الحياة ، وكذلك الخنزير بجميع أجزائه التي تقبل الحياة . واختلف في الانتفاع بشعره ، فأجازه ابن القاسم ومنه أصبغ .

وأما القسم الثاني ( وهي النجاسات التي تدعو الضرورة إلى استعمالها كالرجيع ، والزبل الذي يتخذ في البساتين ) ، فاختلف في بيعها في المذهب ، فقيل بمنعها مطلقا ، وقيل بإجازتها مطلقا ، وقيل بالفرق بين العذرة والزبل ( أعني : إباحة الزبل ومنع العذرة ) .

واختلفوا فيما يتخذ من أنياب الفيل لاختلافهم هل هو نجس أم لا ؟ فمن رأى أنه ناب جعله ميتة ، ومن رأى أنه قرن معكوس جعل حكمه حكم القرن ، والخلاف فيه في المذهب .

وأما ما حرم بيعه مما ليس بنجس أو مختلف في نجاسته ، فمنها الكلب والسنور . أما الكلب فاختلفوا في بيعه ، فقال الشافعي : لا يجوز بيع الكلب أصلا . وقال أبو حنيفة : يجوز ذلك . وفرق أصحاب مالك بين كلب الماشية والزرع المأذون في اتخاذه ، وبين ما لا يجوز اتخاذه ، فاتفقوا على أن ما لا يجوز اتخاذه لا يجوز بيعه للانتفاع به وإمساكه . فأما من أراده للأكل فاختلفوا فيه ، فمن أجاز أكله أجاز بيعه ، ومن لم يجزه على رواية ابن حبيب لم يجز بيعه . واختلفوا أيضا في المأذون في اتخاذه ، فقيل هو حرام ، وقيل مكروه . فأما الشافعي ، فعمدته شيئان : أحدهما ثبوت النهي الوارد عن ثمن الكلب عن النبي - صلى الله عليه وسلم . والثاني أن الكلب عنده نجس العين كالخنزير ، وقد ذكرنا دليله في ذلك في كتاب الطهارة . وأما من أجاز فعمدته أنه طاهر العين غير محرم الأكل ، فجاز بيعه كالأشياء الطاهرة العين ، وقد تقدم أيضا في كتاب الطهارة استدلال من رأى أنه طاهر العين ، وفي كتاب الأطعمة استدلال من رأى أنه حلال .

[ ص: 498 ] ومن فرق أيضا فعمدته أنه غير مباح للأكل ولا مباح الانتفاع به ، إلا ما استثناه الحديث من كلب الماشية أو كلب الزرع وما في معناه ، ورويت أحاديث غير مشهورة اقترن فيها بالنهي من ثمن الكلب استثناء أثمان الكلاب المباحة الاتخاذ . وأما النهي عن ثمن السنور فثابت ، ولكن الجمهور على إباحته لأنه طاهر العين مباح المنافع . فسبب اختلافهم في الكلاب تعارض الأدلة .

ومن هذا الباب اختلافهم في بيع الزيت النجس وما ضارعه بعد اتفاقهم على تحريم أكله ، فقال مالك : لا يجوز بيع الزيت النجس ، وبه قال الشافعي ; وقال أبو حنيفة : يجوز إذا بين ، وبه قال ابن وهب من أصحاب مالك . وحجة من حرمه حديث جابر المتقدم " أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح يقول : إن الله ورسوله حرما الخمر والميتة والخنزير " . وعمدة من أجازه : أنه إذا كان في الشيء أكثر من منفعة واحدة وحرم منه واحدة من تلك المنافع أنه ليس يلزمه أن يحرم منه سائر المنافع ، ولا سيما إذا كانت الحاجة إلى المنفعة غير المحرمة كالحاجة إلى المحرمة ، فإذا كان الأصل هذا يخرج منه الخمر والميتة والخنزير ، وبقيت سائر محرمات الأكل على الإباحة ( أعني : أنه إن كان فيها منافع سوى الأكل فبيعت لهذا ) جاز ، ورووا عن علي ، وابن عباس ، وابن عمر أنهم أجازوا بيع الزيت النجس ليستصبح به ، وفي مذهب مالك جواز الاستصباح به وعمل الصابون مع تحريم بيعه ، وأجاز ذلك الشافعي أيضا مع تحريم ثمنه ، وهذا كله ضعيف ، وقد قيل إن في المذهب رواية أخرى تمنع الاستصباح به وهو ألزم للأصل ( أعني : لتحريم البيع ) .

واختلف أيضا في المذهب في غسله وطبخه هل هو مؤثر في عين النجاسة ومزيل لها على قولين : أحدهما جواز ذلك ، والآخر منعه ، وهما مبنيان على أن الزيت إذا خالطته النجاسة هل نجاسته نجاسة عين أو نجاسة مجاورة ؟ فمن رآه نجاسة مجاورة طهره عند الغسل والطبخ ، ومن رآه نجاسة عين لم يطهره عند الطبخ والغسل .

ومن مسائلهم المشهورة في هذا الباب اختلافهم في جواز بيع لبن الآدمية إذا حلب ، فمالك ، والشافعي يجوزانه ، وأبو حنيفة لا يجوزه . وعمدة من أجاز بيعه أنه لبن أبيح شربه فأبيح بيعه قياسا على لبن سائر الأنعام ، وأبو حنيفة يرى تحليله إنما هو لمكان ضرورة الطفل إليه ، وأنه في الأصل محرم ، إذ لحم ابن آدم محرم ، والأصل عندهم أن الألبان تابعة للحوم ، فقالوا في قياسهم هكذا الإنسان حيوان لا يؤكل لحمه ، فلم يجز بيع لبنه ، أصله لبن الخنزير ، والأتان . فسبب اختلافهم في هذا الباب تعارض أقيسة الشبه . وفروع هذا الباب كثيرة ، وإنما نذكر من المسائل في كل باب المشهور ؛ ليجري ذلك مجرى الأصول .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث