الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هامة ولا نوء ولا غول

جزء التالي صفحة
السابق

4116 (16) باب: لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هامة ولا نوء ولا غول

[ 2160 ] عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا عدوى، ولا طيرة، ولا صفر، ولا هامة. فقال أعرابي: يا رسول الله، فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فيجيء البعير الأجرب فيدخل فيها فيجربها كلها! قال: فمن أعدى الأول؟

زاد في رواية: ولا نوء.

رواه أحمد (2 \ 267) والبخاري (5717) ومسلم (2220).

التالي السابق


(16) ومن باب: لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هامة ولا غول

" لا " في هذا الحديث وإن كانت نفيا لما ذكر بعدها فمعناها النهي عن الالتفات لتلك الأمور والاعتناء بها; لأنها في أنفسها ليست بصحيحة، وإنما هي [ ص: 621 ] من أوهام جهال العرب، وبيان ذلك أنهم كانوا يعتقدون أن المريض إذا دخل في الأصحاء أمرضهم وأعداهم، وكذلك في الإبل، فنفى النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك وأبطله، ثم إنهم لما أوردوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - الشبهة الحاملة لهم على ذلك حين قالوا: فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فيجيء البعير الأجرب فيدخل فيها فيجربها - قطع حجتهم، وأزاح شبهتهم بكلمة واحدة، وهي قوله: " فمن أعدى الأول؟ " ومعنى ذلك أن البعير الأجرب الذي أجرب هذه الصحاح - على زعمهم - من أين جاءه الجرب؟ أمن بعير آخر فيلزم التسلسل؟ أو من سبب غير البعير فهو الذي فعل الجرب في الأول والثاني وهو الله تعالى الخالق لكل شيء، والقادر على كل شيء؟

وهذه الشبهة التي وقعت لهؤلاء هي التي وقعت للطبائعيين أولا وللمعتزلة ثانيا; فقال الطبائعيون بتأثيرات الأشياء بعضها في بعض، وإيجادها إياها، وسموا المؤثر طبيعة، وقالت المعتزلة بنحو ذلك في أفعال الحيوانات والمتولدات، وقالوا: إن قدرهم مؤثرة فيها بالإيجاد، وإنهم خالقون لأفعالهم مستقلون باختراعها.

واستند الكل ممن ذكر للمشاهدة الحسية، وربما نسبوا منكر ذلك إلى إنكار البديهة، وهذا غلط فاحش، وسببه أنهم التبس عليهم إدراك الحس بإدراك العقل، فإن الذي شاهدوه إنما هو تأثير شيء عند شيء آخر، وهذا حظ الحس، أما تأثيره فيه فلا يدرك حسا بل عقلا، فإن الحس إنما أدرك وجود شيء عند شيء وارتفاعه عند ارتفاعه، أما إيجاده به فليس للحس فيه مدخل، فأما المتقاربات في الوجود على حالة واحدة فالعقل هو الذي يفرق، فيحكم بتلازم بعضها بعضا عقلا ويحكم بتلازم بعضها بعضا عادة مع جواز التبدل عقلا، ولقد أحسن من قال من العقلاء النظار الفضلاء: إياك والانخداع بالوجود والارتفاع!

واستيفاء الكلام على هذا في علم الكلام.

[ ص: 622 ] وفيه دليل على جواز مشافهة من وقعت له شبهة في اعتقاده بذكر البرهان العقلي إذا كان السائل أهلا لفهمه، فأما أهل القصور فيخاطبون بما تحتمله عقولهم من الأمور الإقناعيات.

و " الطيرة " قد تقدم الكلام فيها في الصلاة، ويأتي إن شاء الله.

و " الصفر " تأخير المحرم إلى صفر، وهو النسيء الذي كانوا يفعلونه، وإلى هذا ذهب مالك وأبو عبيدة ، وقيل: هو دود في البطن يهيج عند الجوع، كانت العرب تراها أعدى من الجرب، وأنشدوا:


لا يتأرى لما في القدر يرقبه ولا يعض على شرسوفه الصفر

وإلى هذا ذهب مطرف وابن وهب وابن حبيب ، وهو اختيار أبي عبيدة .

و " الهامة " مشدد الميم طائر تتشاءم به العرب، فإذا سقطت في دار أحدهم رآها ناعية له نفسه أو أحدا من أهله، وإلى هذا التفسير ذهب مالك ، وقيل: كانت العرب تعتقد أن عظام الميت أو رأسه ينقلب هامة يطير، ويسمى ذلك الطائر: الصدى - قال لبيد:


فليس الناس بعدك في نعيم     ولا هم غير أصداء وهام



[ ص: 623 ] قال الإمام أبو عبد الله : أما البوم فالأنثى منه الهامة، والذكر منه يسمى الصدى.

قلت: وهذا يشعر أن أبا عبد الله وقع له في هذا الحديث " ولا بوم " ففسره بما قال، ولم يقع في كتاب مسلم إلا قوله: " ولا نوء " أي: لا تصح نسبة الأمطار والرياح للنوء، وقد تقدم تفسيره في الإيمان.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث