الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ 2 - السجود الذي يكون للشك ]

وأما سجود السهو الذي هو لموضع الشك : فإن الفقهاء اختلفوا فيمن شك في صلاته فلم يدر كم صلى أواحدة أو اثنتين أو ثلاثا أو أربعا على ثلاثة مذاهب :

فقال قوم : يبني على اليقين وهو الأقل ولا يجزيه التحري ، ويسجد سجدتي السهو ، وهو قول مالك والشافعي وداود . وقال أبو حنيفة : إن كان أول أمره فسدت صلاته ، وإن تكرر ذلك منه تحرى وعمل على غلبة الظن ثم يسجد سجدتين بعد السلام .

وقالت طائفة : إنه ليس عليه إذا شك لا رجوع إلى اليقين ولا تحر ، وإنما عليه السجود فقط إذا شك .

والسبب في اختلافهم : تعارض ظواهر الآثار الواردة في هذا الباب ، وذلك أن في هذا الباب ثلاثة آثار : أحدها : حديث البناء على اليقين ، وهو حديث أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثا أم أربعا فليطرح الشك ، وليبن على ما استيقن ، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم ، فإن صلى خمسا شفعن له صلاته ، وإن كان صلى إتماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان " . خرجه مسلم .

والثاني : حديث ابن مسعود أن النبي - عليه الصلاة والسلام - قال : " إذا سها أحدكم في صلاته فليتحر ، وليسجد سجدتين " . وفي رواية أخرى عنه : " فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب ، ثم ليسلم ثم ليسجد سجدتي السهو ويتشهد ويسلم " .

والثالث حديث أبي هريرة خرجه مالك والبخاري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان ، فلبس عليه حتى لا يدري كم صلى ، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس " . وفي هذا المعنى أيضا حديث عبد الله بن جعفر ، خرجه أبو داود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعدها ويسلم " .

فذهب الناس في هذه الأحاديث مذهب الجمع ومذهب الترجيح ، والذين ذهبوا مذهب الترجيح منهم [ ص: 168 ] من لم يلتفت إلى المعارض ، ومنهم من رام تأويل المعارض وصرفه إلى الذي رجح ، ومنهم من جمع الأمرين - أعني : جمع بعضها ورجح بعضها ، وأول غير المرجح إلى معنى المرجح - ، ومنهم من جمع بين بعضها وأسقط حكم البعض .

فأما من ذهب مذهب الجمع في بعض والترجيح في بعض مع تأويل غير المرجح وصرفه إلى المرجح : فمالك بن أنس ، فإنه حمل حديث أبي سعيد الخدري على الذي لم يستنكحه الشك ، وحمل حديث أبي هريرة على الذي يغلب عليه الشك ويستنكحه ، وذلك من باب الجمع ، وتأول حديث ابن مسعود على أن المراد بالتحري هنالك هو الرجوع إلى اليقين ، فأثبت على مذهبه الأحاديث كلها . وأما من ذهب مذهب الجمع بين بعضها وإسقاط البعض وهو الترجيح من غير تأويل المرجح عليه : فأبو حنيفة ، فإنه قال : إن حديث أبي سعيد إنما هو حكم من لم يكن عنده ظن غالب يعمل عليه ، وحديث ابن مسعود على الذي عنده ظن غالب ، وأسقط حكم حديث أبي هريرة ، وذلك أنه قال : ما في حديث أبي سعيد وابن مسعود زيادة ، والزيادة يجب قبولها والأخذ بها ، وهذا أيضا كأنه ضرب من الجمع .

وأما الذي رجح بعضها وأسقط حكم البعض : فالذين قالوا إنما عليه السجود فقط ، وذلك أن هؤلاء رجحوا حديث أبي هريرة ، وأسقطوا حديث أبي سعيد وابن مسعود ، ولذلك كان أضعف الأقوال .

فهذا ما رأينا أن نثبته في هذا القسم من قسمي كتاب الصلاة ، وهو القول في الصلاة المفروضة ، فلنصر بعد إلى القول في القسم الثاني من الصلاة الشرعية ، وهي الصلوات التي ليست فروض عين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث