الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
المختار بَابُ الْحَيْضِ وَهُوَ الدَّمُ الَّذِي تَصِيرُ الْمَرْأَةُ بِهِ بَالِغَةً ، . وَأَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا ( س ) ، وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةٌ ( ف ) بِلَيَالِيهَا ، وَمَا نَقَصَ عَنْ أَقَلِّهِ ، وَمَا زَادَ عَلَى أَكْثَرِهِ ، وَمَا تَرَاهُ الْحَامِلُ ( ف ) اسْتِحَاضَةٌ ، وَهُوَ لَا يَمْنَعُ الصَّوْمَ وَلَا الصَّلَاةَ وَلَا الْوَطْءَ ، وَمَا تَرَاهُ الْمَرْأَةُ مِنَ الْأَلْوَانِ فِي مُدَّةِ حَيْضِهَا حَيْضٌ حَتَّى تَرَى الْبَيَاضَ الْخَالِصَ ، وَالطُّهْرُ الْمُتَخَلِّلُ فِي الْمُدَّةِ حَيْضٌ ، وَهُوَ يُسْقِطُ عَنِ الْحَائِضِ الصَّلَاةَ أَصْلًا . وَيُحَرِّمُ عَلَيْهَا الصَّوْمَ فَتَقْضِيهِ . وَيَحْرُمُ وَطْؤُهَا ، وَيَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهُ ، وَيُسْتَمْتَعُ بِهَا مَا فَوْقَ الْإِزَارِ . وَإِنِ انْقَطَعَ دَمُهَا لِأَقَلِّ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ لَمْ يَجُزْ وَطْؤُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ ، أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ ، وَإِنِ انْقَطَعَ لِعَشَرَةٍ ( زف ) جَازَ قَبْلَ الْغُسْلِ ، وَأَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ . الاختيار بَابُ الْحَيْضِ الْحَيْضُ فِي اللُّغَةِ : السَّيَلَانُ ، يُقَالُ حَاضَتِ الْأَرْنَبُ : إِذَا سَالَ مِنْهَا الدَّمُ ، وَحَاضَتِ الشَّجَرَةُ : إِذَا سَالَ مِنْهَا الصَّمْغُ . وَفِي الشَّرْعِ : سَيَلَانُ دَمٍ مَخْصُوصٍ مِنْ مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ فِي وَقْتٍ مَعْلُومٍ . وَالدِّمَاءُ ثَلَاثَةٌ : حَيْضٌ . ( وَهُوَ الدَّمُ الَّذِي تَصِيرُ الْمَرْأَةُ بِهِ بَالِغَةً ) بِابْتِدَائِهِ الْمُمْتَدِّ إِلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ ، قَالَهُ الْكَرْخِيُّ . قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " لَا صَلَاةَ لِحَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ " ، أَيْ بَالِغَةٍ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْبُخَارِيُّ : الْحَيْضُ هُوَ الدَّمُ الَّذِي يَنْفُضُهُ رَحِمُ الْمَرْأَةِ السَّلِيمَةِ عَنِ الصِّغَرِ وَالدَّاءِ . وَاسْتِحَاضَةٌ : وَهُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ مِنَ الْفَرْجِ دُونَ الرَّحِمِ . وَنِفَاسٌ : وَهُوَ مَا يَخْرُجُ مَعَ الْوَلَدِ أَوْ عَقِيبَهُ . قَالَ : ( وَأَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا ، وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةٌ بِلَيَالِيهَا ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : ( أَقَلُّ الْحَيْضِ لِلْجَارِيَةِ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا ، وَأَكْثَرُهُ عشَرَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ : أَقَلُّهُ يَوْمَانِ ، وَأَكْثَرُ الثَّالِثِ إِقَامَةً لِلْأَكْثَرِ مَقَامَ الْكُلِّ ، وَلَا اعْتِبَارَ بِهِ لِأَنَّهُ تَنْقِيصٌ عَنْ تَقْدِيرِ الشَّرْعِ . قَالَ : ( وَمَا نَقَصَ عَنْ أَقَلِّهِ وَمَا زَادَ عَلَى أَكْثَرِهِ ) اسْتِحَاضَةٌ ; لِأَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى تَقْدِيرِ الشَّرْعِ ، فَلَا يَكُونُ حَيْضًا وَلَيْسَ بِنِفَاسٍ فَيَكُونُ اسْتِحَاضَةً ; لِأَنَّ الدِّمَاءَ الْخَارِجَةَ مِنَ الرَّحِمِ مُنْحَصِرَةٌ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ . قَالَ : ( وَمَا تَرَاهُ الْحَامِلُ اسْتِحَاضَةٌ ) لِأَنَّهَا لَا تَحِيضُ لِأَنَّ بِالْحَمْلِ يَنْسَدُّ فَمُ الرَّحِمِ ، وَيَصِيرُ دَمُ الْحَيْضِ غِذَاءً لِلْجَنِينِ فَلَا يَكُونُ حَيْضًا . قَالَ : ( وَهُوَ لَا يَمْنَعُ الصَّوْمَ وَلَا الصَّلَاةَ وَلَا الْوَطْءَ ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِلْمُسْتَحَاضَةِ " تَوَضَّئِي وَصَلِّي وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ قَطْرًا " وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ : " إِنَّمَا هُوَ دَمُ عِرْقٍ انْفَجَرَ " ، وَلَا يَمْنَعُ كَالرُّعَافِ . قَالَ : ( وَمَا تَرَاهُ الْمَرْأَةُ مِنَ الْأَلْوَانِ فِي مُدَّةِ حَيْضِهَا حَيْضٌ حَتَّى تَرَى الْبَيَاضَ الْخَالِصَ ) لِمَا رُوِيَ : " أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَعْرِضْنَ الْكَرَاسِفَ عَلَى عَائِشَةَ ، فَكَانَتْ إِذَا رَأَتِ الْكُدْرَةَ قَالَتْ : لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقُصَّةَ الْبَيْضَاءَ " ، أَيِ الْبَيَاضَ الْخَالِصَ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : لَا تَكُونُ الْكَدْرَةُ حَيْضًا إِلَّا بَعْدَ الدَّمِ ; لِأَنَّ الْكَدْرَةَ مَا يَتَكَدَّرُ ، وَأَوَّلُ الشَّيْءِ لَا يَتَكَدَّرُ . وَلَنَا مَا رَوَيْنَا عَنْ عَائِشَةَ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ ، وَلِأَنَّهَا مِنْ أَلْوَانِ الدَّمِ ، فَسَوَاءٌ كَانَتْ أَوَّلًا وَآخِرًا كَغَيْرِهَا مِنَ الْأَلْوَانِ ، وَقَوْلُهُ : أَوَّلُ الشَّيْءِ لَا يَتَكَدَّرُ . قُلْنَا : لِمَ قُلْتَ إِنَّ هَذَا أَوَّلَهُ وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي إِنَاءٍ يَسِيلُ مِنْ أَعْلَاهُ وَهَذَا يَسِيلُ مِنْ أَسْفَلِهِ ، فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْكُدْرَةُ أَوَّلًا كَالْجَرَّةِ يُثْقَبُ أَسْفَلُهَا فَإِنَّهُ يَسِيلُ الْكَدَرُ أَوَّلَا كَذَا هَذَا . وَحُكْمُ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ وَالنِّفَاسِ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِخُرُوجِ الدَّمِ إِلَى الْفَرْجِ الْخَارِجِ ; لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَظْهَرْ فَهُوَ فِي مَعْدِنِهِ . قَالَ : ( وَالطُّهْرُ الْمُتَخَلِّلُ فِي الْمُدَّةِ حَيْضٌ ) لِأَنَّ الْمُدَّةَ لَا تُسْتَوْعَبُ بِالدَّمِ فَاعْتُبِرَ أَوَّلُهَا وَآخِرُهَا . قَالَ : ( وَهُوَ يُسْقِطُ عَنِ الْحَائِضِ الصَّلَاةَ أَصْلًا ، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهَا الصَّوْمَ فَتَقْضِيهِ ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ : " كُنَّ النِّسَاءُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْضِينَ الصَّوْمَ وَلَا يَقْضِينَ الصَّلَاةَ " ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ تَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ شَهْرٍ وَكُلِّ يَوْمٍ فَتُحَرَّجُ فِي الْقَضَاءِ ، وَالصَّوْمُ فِي السَّنَةِ مَرَّةً فَلَا حَرَجَ . ( وَيَحْرُمُ وَطْؤُهَا ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ) وَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ ، وَإِنْ وَطِئَهَا فِي الْحَيْضِ إِنْ كَانَا طَائِعَيْنِ أَثِمَا ، وَيَكْفِيهِمَا الِاسْتِغْفَارُ وَالتَّوْبَةُ ، لِقَوْلِ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ : اسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَلَا تَعُدْ . وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا طَائِعًا وَالْآخَرُ مُكْرَهًا أَثِمَ الطَّائِعُ وَحْدَهُ . قَالَ فِي الْفَتَاوَى : وَهَذَا فِي الْحُكْمِ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُتَصَدَّقَ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ . قِيلَ : مَعْنَاهُ إِنْ كَانَ فِي أَوَّلِ الْحَيْضِ فَدِينَارٌ ، وَفِي آخِرِهِ نِصْفُهُ . وَقِيلَ : إِنْ كَانَ الدَّمُ أَسْوَدَ فَدِينَارٌ ، وَإِنْ كَانَ أَصْفَرَ فَنِصْفُهُ ، وَبِجَمِيعِ ذَلِكَ وَرَدَ الْحَدِيثُ . ( وَيَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهُ ) لِأَنَّ حُرْمَتَهُ ثَبَتَتْ بِالْكِتَابِ وَالْإِجْمَاعِ . قَالَ : ( وَيُسْتَمْتَعُ بِهَا مَا فَوْقَ الْإِزَارِ ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ : " سَأَلَتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنِ امْرَأَتِهِ الْحَائِضِ ؟ قَالَ : " مَا فَوَقَ الْإِزَارِ " . وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُنِي فَأَتَّزِرُ فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ " . وَقَالَ مُحَمَّدٌ : يَجْتَنِبُ شِعَارَ الدَّمِ وَلَهُ مَا سِوَاهُ ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " يَصْنَعُ الرَّجُلُ بِامْرَأَتِهِ الْحَائِضِ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا الْجِمَاعَ " أَيْ لَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِمَا فَوْقَ السُّرَّةِ لَا بِمَا تَحْتَهَا . وَفِيمَا قَالَ مُحَمَّدٌ : رَتْعٌ حَوْلَ الْحِمَى فَيُمْنَعُ مِنْهُ حَذَرًا مِنَ الْوُقُوعِ فِيهِ . ( وَإِنِ انْقَطَعَ دَمُهَا لِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ لَمْ يَجُزْ وَطْؤُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ ، وَإِنِ انْقَطَعَ لِعَشَرَةٍ جَازَ قَبْلَ الْغُسْلِ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( حَتَّى يَطْهُرْنَ ) بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ ، فَمَعْنَى التَّخْفِيفِ حَتَّى يَنْقَطِعَ حَيْضُهَا فَحَمَلْنَاهُ عَلَى الْعَشَرَةِ ، وَمَعْنَى التَّشْدِيدِ حَتَّى يَغْتَسِلْنَ فَحَمَلْنَاهُ عَلَى مَا دُونَهَا عَمَلًا بِالْقِرَاءَتَيْنِ ، وَلِأَنَّ مَا قَبْلَ الْعَشَرَةِ لَا يُحْكَمُ بِانْقِطَاعِ الْحَيْضِ لِاحْتِمَالِ عَوْدِ الدَّمِ ، فَيَكُونُ حَيْضًا ، فَإِذَا اغْتَسَلَتْ أَوْ مَضَى عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ دَخَلَتْ فِي حُكْمِ الطَّاهِرَاتِ ، وَمَا بَعْدَ الْعَشَرَةِ حَكَمْنَا بِانْقِطَاعِ الْحَيْضِ ، لِأَنَّهَا لَوْ رَأَتِ الدَّمَ لَا يَكُونُ حَيْضًا فَلِهَذَا حَلَّ وَطْؤُهَا . وَقَالَ زُفَرُ : لَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ وَإِنِ انْقَطَعَ لِعَشَرَةِ أَيَّامٍ ، عَمَلًا بِقِرَاءَةِ التَّشْدِيدِ وَجَوَابُهُ مَا مَرَّ . قَالَ : ( وَأَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ) هَكَذَا رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا تَوْقِيفًا ( وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ ) لِأَنَّهُ يَسْتَمِرُّ مُدَّةً كَثِيرَةً فَلَا يَتَقَدَّرُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية