الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ( وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( 140 ) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ . وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَامِ "وَاوٌ " ، لَكَانَ قَوْلُهُ : "لِيَعْلَمَ " مُتَّصِلًا بِمَا قَبْلَهُ ، وَكَانَ "وَتِلْكَ الْأَيَّامَ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ " ، لِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا . وَلَكِنْ لَمَّا دَخَلَتِ "الْوَاوُ " فِيهِ ، آذَنَتْ بِأَنَّ الْكَلَامَ مُتَّصِلٌ بِمَا قَبْلَهَا ، وَأَنَّ بَعْدَهَا خَبَرًا مَطْلُوبًا ، وَاللَّامُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ : "وَلِيَعْلَمَ " ، بِهِ مُتَعَلِّقَةٌ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ قِيلَ : "وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا " مَعْرِفَةً ، وَأَنْتَ لَا تَسْتَجِيزُ فِي الْكَلَامِ : "قَدْ سَأَلَتُ فَعَلِمْتُ عَبْدَ اللَّهِ " ، وَأَنْتَ تُرِيدُ : عَلِمْتُ شَخْصَهُ ، إِلَّا أَنْ تُرِيدَ : عَلِمْتُ صِفَتَهُ وَمَا هُوَ ؟ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا جَازَ مَعَ "الَّذِينَ " ، لِأَنَّ فِي "الَّذِينَ " تَأْوِيلُ "مِنْ " وَ "أَيْ " ، وَكَذَلِكَ جَائِزٌ مِثْلُهُ فِي "الْأَلِفِ وَاللَّامِ " ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : ( فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) [ سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ : 3 ] ، لِأَنَّ فِي "الْأَلِفِ وَاللَّامِ " مِنْ تَأْوِيلِ "أَيْ " ، وَ "مِنْ " ، مِثْلُ الَّذِي فِي "الَّذِي " . وَلَوْ جَعَلَ مَعَ الِاسْمِ الْمَعْرِفَةِ اسْمًا فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى "أَيْ " ، جَازَ ، كَمَا يُقَالُ : "سَأَلَتْ لِأَعْلَمَ عَبْدَ اللَّهِ مِنْ عَمْرٍو " ، وَيُرَادُ بِذَلِكَ : لِأَعْرِفَ هَذَا مِنْ هَذَا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ، أَيُّهَا الْقَوْمُ ، مِنَ الَّذِينَ نَافَقُوا مِنْكُمْ ، نُدَاوِلُ بَيْنَ النَّاسِ فَاسْتَغْنَى بِقَوْلِهِ : "وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ " ، عَنْ ذِكْرِ قَوْلِهِ : "مِنِ الَّذِينَ نَافَقُوا " ، لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ . إِذْ كَانَ فِي قَوْلِهِ : "الَّذِينَ آمَنُوا " تَأْوِيلٌ "أَيْ " عَلَى مَا وَصَفْنَا . فَكَأَنَّهُ قِيلَ : وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ أَيُّكُمُ الْمُؤْمِنُ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ( لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى ) [ سُورَةُ الْكَهْفِ : 12 ] غَيْرَ أَنَّ "الْأَلِفَ وَاللَّامَ " ، وَ "الَّذِي " وَ "مِنْ " إِذَا وُضِعَتْ مَعَ الْعَلَمِ مَوْضِعَ "أَيْ " ، نُصِبَتْ بِوُقُوعِ الْعِلْمِ عَلَيْهِ ، كَمَا قِيلَ : "وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ " ، فَأَمَّا "أَيْ " فَإِنَّهَا تُرْفَعُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا قَوْلُهُ : "وَيَتَّخِذُ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ " ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : " وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا " وَلِيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ، أَيْ : لِيُكْرِمَ مِنْكُمْ بِالشَّهَادَةِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُكْرِمَهُ بِهَا . "وَالشُّهَدَاءُ " جَمْعُ "شَهِيدٍ " ، كَمَا : - 7912 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : " وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ " ، أَيْ : لِيُمَيِّزَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ، وَلِيُكْرِمَ مَنْ أَكْرَمَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِالشَّهَادَةِ . 7913 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ قِرَاءَةً عَلَى ابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ : " وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ " ، قَالَ : فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَسْأَلُونَ رَبَّهُمْ : "رَبَّنَا أَرِنَا يَوْمًا كَيَوْمِ بَدْرٍ نُقَاتِلُ فِيهِ الْمُشْرِكِينَ ، ونُبْلِيكَ فِيهِ خَيْرًا ، وَنَلْتَمِسُ فِيهِ الشَّهَادَةَ "! فَلَقُوا الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ ، فَاتَّخَذَ مِنْهُمْ شُهَدَاءَ . 7914 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : " وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ " ، فَكَرَّمَ اللَّهُ أَوْلِيَاءَهُ بِالشَّهَادَةِ بِأَيْدِي عَدُوِّهِمْ ، ثُمَّ تَصِيرُ حَوَاصِلُ الْأُمُورِ وَعَوَاقِبُهَا لِأَهْلِ طَاعَةِ اللَّهِ . 7915 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : " وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ " ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَانُوا يَسْأَلُونَ الشَّهَادَةَ ، فَلَقُوا الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ ، فَاتَّخَذَ مِنْهُمْ شُهَدَاءَ . 7916 - حَدَّثَنِي عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : " وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ " ، كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَسْأَلُونَ رَبَّهُمْ أَنْ يُرِيَهُمْ يَوْمًا كَيَوْمِ بَدْرٍ ، يَبْلُونَ فِيهِ خَيْرًا ، وَيُرْزَقُونَ فِيهِ الشَّهَادَةَ ، وَيُرْزَقُونَ الْجَنَّةَ وَالْحَيَاةَ وَالرِّزْقَ ، فَلَقُوا الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ ، فَاتَّخَذَ اللَّهُ مِنْهُمْ شُهَدَاءَ ، وَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ : ( وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ) الْآيَةَ ، [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 154 ] . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا قَوْلُهُ : "وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ " ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَعْصِيَتِهِمْ رَبَّهُمْ ، كَمَا : - 7917 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : " وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ " ، أَيِ : الْمُنَافِقِينَ الَّذِي يُظْهِرُونَ بِأَلْسِنَتِهِمِ الطَّاعَةَ ، وَقُلُوبِهِمْ مُصِرَّةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية